الرشيد يأمر بطرده
وسأل الرشيد عنه ، فأخبروه بأمره ، فأمر بطرده .
يحيى بن سعيد العقيلي يشتري له دابة توصله إلى رأس عين وقد فضح سعيدا بأفعاله
فخرج حتّى أتى يحيى بن سعيد العقيلي وهو في منزله ، فسلَّم عليه ، وانتسب له ، فرحّب به ، وقال له :
ارتفع . فقال : لم آتك للجلوس ، قال : فما حاجتك ؟ قال : دابّة أبلغ عليها إلى رأس عين ، فقال : يا غلام أعطه الفرس الفلانيّ . فقال : لا حاجة لي في ذلك ، ولكن تأمر أن تشتري لي دابة أتبلَّغ عليها . فقال لغلامه : امض معه فابتع له ما يريد . فمضى معه ، فعدل به العتّابيّ إلى سوق الحمير ، فقال له : إنّما أمرني أن أبتاع لك دابّة . فقال له :
إنّه أرسلك معي ، ولم يرسلني معك ، فإن عملت ما أريد وإلا انصرف . فمضى معه فاشترى حمارا بمائة وخمسين درهما ، وقال : ادفع إليه ثمنه ، فدفع إليه ، فركب الحمار عريا بمرشحة عليه وبرذعة ، وساقاه مكشوفتان ، فقال له يحيى بن سعيد : فضحتني ، أمثلي يحمل مثلك على هذا ؟ فضحك ، وقال : ما رأيت قدرك يستوجب أكثر من ذلك .
ومضى إلى رأس عين .
لوم زوجته له وما قال في ذلك
وكانت تحته امرأة من باهلة ، فلامته ، وقالت : هذا منصور النمريّ قد أخذ الأموال فحلَّى نساءه ، وبنى داره ، واشترى ضياعا ، وأنت هاهنا كما ترى ! فأنشأ يقول :
تلوم على ترك الغنى باهليّة
زوي الفقر عنها كلّ طرف وتالد [ 1 ]
رأت حولها النّسوان يرفلن في الثّرا
مقلَّدة أعناقها بالقلائد [ 2 ]
أسرّك إنّي نلت ما نال جعفر
من العيش أو ما نال يحيى بن خالد
وإنّ أمير المؤمنين أغصّني
مغصّهما بالمشرقات البوارد [ 3 ]
/ رأيت رفيعات الأمور مشوبة
بمستودعات في بطون الأساود [ 4 ]
دعيني تجئني ميتتي مطمئنة
ولم أتجشم هول تلك الموارد [ 5 ]
وهذا الخبر عندي فيه اضطراب ؛ لأن القصيدة المذكورة الَّتي أوّلها :
ماذا شجاك بحوّارين [ 6 ] من طلل
للعتّابي في الرشيد ، لا في عبد الملك ، ولم يكن كما ذكره في أيّام الرشيد متنقّصا منه . وله أخبار معه طويلة ، وقد حدّثني بخبره هذا لما استوهب رفع السيف عن ربيعة جماعة على غير هذه الرواية .
عتب الرشيد على العتابي وقطعه الهبات فيتنصل بقصيدته هذه
أخبرني عمي قال : حدّثني عبد اللَّه بن أبي سعد ، قال : حدّثني مسعود بن إسماعيل العدويّ عن موسى بن عبد اللَّه التميمي قال :
هامش
[ 1 ] الطرف : الجديد . والتالد : القديم . وانظر كتاب « الحيوان » للجاحظ ( 4 : 265 ) .
[ 2 ] يرفلن : تجر الواحدة ذيلها وتتبختر .
[ 3 ] أغصني : من الغصة ، وهي ما يعترض في الحلق فتحتبس الأنفاس به . ويروى : « أعضني معضهما » . المشرقات : السيوف اللوامع .
البوارد : الَّتي تثبت في الضريبة لا تنثني .
[ 4 ] الأساود : جمع أسود وهو الحية .
[ 5 ] ورد في كل الأصول « منيتي » ، تحريف .
[ 6 ] انظر ما سبق في ص 122 .