إسحاق بن إبراهيم يعارض العتابي
فاشتبه على المأمون قوله ، فنظر إلى إسحاق مستفهما ، فأومأ إليه ، وغمزه على معناه [ 1 ] حتّى / فهم ، فقال :
يا غلام ، ألف دينار ! فأتي بذاك ، فوضعه بين يدي العتّابي ، وأخذوا في الحديث ، وغمز المأمون إسحاق بن إبراهيم عليه ، فجعل العتابي / لا يأخذ في شيء إلَّا عارضه فيه إسحاق ، فبقي العتّابيّ متعجّبا ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ، أتأذن لي في سؤال هذا الشيخ عن اسمه ؟ قال : نعم ، سل . فقال لإسحاق : يا شيخ من أنت ؟ وما اسمك ؟ قال : أنا من الناس ، واسمي كل بصل . فتبسم العتابي وقال : أمّا أنت فمعروف ، وأما الاسم فمنكر . فقال إسحاق : ما أقل إنصافك ، أتنكر أن يكون اسمي كل بصل ؟ واسمك كل ثوم ، وكل ثوم من الأسماء ، أوليس البصل أطيب من الثّوم ؟
فقال له العتّابي : للَّه درّك ، ما أحجّك [ 2 ] ، أتأذن لي يا أمير المؤمنين في أن أصله بما وصلتني به ؟ فقال له المأمون :
بل ذلك موفّر عليك ونأمر له بمثله .
مصادقة العتابي لإسحاق
فقال له إسحاق : أمّا إذا أقررت بهذا ، فتوهّمني تجدني ، فقال : ما أظنّك إلا إسحاق الموصليّ ، الَّذي تناهى إلينا خبره ، قال : أنا حيث ظننت . وأقبل عليه بالتحيّة والسلام ، فقال المأمون ، وقد طال الحديث بينهما : أمّا إذ قد اتّفقتما على المودّة ، فانصرفا متنادمين . فانصرف العتّابي إلى منزل إسحاق فأقام عنده .
إعجاب عبد اللَّه بن طاهر بشعر العتابي
وذكر أحمد بن طاهر أيضا أنّ مسعود بن عيسى العبديّ ، حدّثه عن موسى بن عبد اللَّه التميمي ، قال : وفد إلى عبد اللَّه بن طاهر جمع من الشّعراء ، فعلم أنّهم على بابه ، فقال لخادم له أديب : أخرج إلى القوم ، وقل لهم : من كان منكم يقول كما قال العتّابيّ للرّشيد :
مستنبط عزمات القلب من فكر
ما بينهن وبين اللَّه معمور [ 3 ]
فليدخل ، وليعلم أنّي إن وجدته مقصّرا عن ذلك حرمته ، فمن وثق من نفسه أنه يقول مثل هذا فليقم . قال :
فدخلوا جميعا إلَّا أربعة نفر .
جوائز الرشيد وسرور العتابي بما خلع عليه
أخبرني الحسن بن علي قال ، حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه ، قال : حدّثنا عبد اللَّه بن سعد عن إبراهيم بن الحدين ، قال : وجد [ 4 ] الرّشيد على العتّابي ، فدخل سرّا مع المتظلَّمين بغير إذن ، فمثل بين يدي الرشيد ، وقال له :
يا أمير المؤمنين ، قد آذتني الناس لك ولنفسي فيك ، وردّني ابتلاؤهم إلى شكرك ، وما مع تذكَّرك قناعة بغيرك ، ولنعم الصّائن لنفسي كنت ، لو أعانني عليك الصبر . وفي ذلك أقول :
أخضني المقام الغمر إن كان غرّني
سنا خلَّب أو زلَّت القدمان [ 5 ]
أتتركني جدب المعيشة مقترا
وكفّاك من ماء الندي تكفان
وتجعلني سهم المطامع بعد ما
بللت يميني بالنّدى ولساني
قال : فأعجب الرّشيد قوله ، وخرج عليه الخلع ، وقد أمر له بجائزة ، فما رأيت العتّابي قطَّ أبسط منه يومئذ .
هامش
[ 1 ] غمزه على معناه : أشار .
[ 2 ] ما أحجك : ما أكبر حجتك .
[ 3 ] المستنبط : المستخرج .
[ 4 ] وجد : غضب .
[ 5 ] الغمر : الماء الكثير . سنا حلب : ضوء البرق الَّذي لا يعقبه مطر .