/ جاءنا عبد الصمد بن المعذّل إلى منزل محمّد بن عمر الجرجرائيّ ، فأنشدنا قصيدة له في صفة الحمّى ، فقال لي محمّد بن عمر : امض إلى منزل عبد الصمد حتى تكتبها . فمضيت إليه حتى كتبتها ، / وهي :
هجرت الصّبا ايّما هجره
وعفت الغواني والخمره
طوتني عن وصلها سكره
بكأس الضّنا ايّما سكره
هجاؤه لأبي تمام
أخبرني الحسن بن عليّ ، قال : حدّثنا ابن مهرويه ، قال : حدّثني عبد اللَّه بن يزيد الكاتب ، قال :
جمع بين أبي تمّام الطائيّ وبين عبد الصمد بن المعذّل مجلس ، وكان عبد الصمد سريعا في قول الشعر ، وكان في أبي تمام إبطاء ، فأخذ عبد الصمد القرطاس وكتب فيه :
أنت بين اثنتين تبرز للنا
س ، وكلتاهما بوجه مذال [ 1 ]
لست تنفكّ طالبا لوصل
من حبيب أو طالبا لنوال
أي ماء لحرّ وجهك يبقى
بين ذلّ الهوى وذل السؤال
هجاء أبي تمام له
قال : فأخذ أبو تمام القرطاس وخلا طويلا ، وجاء به وقد كتب فيه :
أفيّ تنظم قول الزّور والفند
وأنت أبرز من لا شيء في العدد [ 2 ]
أشرجت قلبك من بغضي على حرق
كأنّها حركات أرّوح في الجسد [ 3 ]
نقد عبد الصمد لأبي تمام
فقال له عبد الصمد : يا ماصّ بظر أمّه ، يا غثّ ، أخبرّني عن قولك « أنزر من لا شيء » ، واخبرني عن قولك « اشرجت قلبك » ، قلبي مفرش أو عيبة [ 4 ] أو حرج / فأشرجه ، عليك لعنة اللَّه فما رأيت أغثّ منك . فانقطع أبو تمام انقطاعا ما يرى أقبح منه ، وقام فانصرف ، وما راجعه بحرف .
قال أبو الفرج الأصبهاني : كان في ابن مهرويه تحامل على أبي تمّام لا يضرّ أبا تمام هذا منه ، وما أقلّ ما يقدح مثل هذا في مثل أبي تمام .
هجاء عبد الصمد لرجل من ولد جعفر
أخبرني هاشم بن محمّد الخزاعي ، قال : حدّثني العنزي ، قال :
كان عبد الصمد بن المعذّل يستثقل رجلا من ولد جعفر بن سليمان بن عليّ يعرف بالفرّاش ، وكان له ابن أثقل منه ، وكانا يفطران عند المنذر بن عمرو - وكان يخلف بعض أمراء البصرة - وكان الفرّاش هذا يصلَّي به ، ثم يجلس فيفطر هو وابنه عنده ، فلما مضى شهر رمضان انقطع ذلك عنهما ، فقال عبد الصمد بن المعذّل :
غدر الزمان وليته لم يغدر
وحدا بشهر الصوم فطر المفطر
هامش
[ 1 ] المذل : المهان ، أذاله : أهانه .
[ 2 ] الفند : الكذب .
[ 3 ] أشرجت العيبة : شددتها بخيط أو نخره . وفي ح بالحاء المهملة ، وهو تصحيف .
[ 4 ] العيبة : الحقيبة من جلد : وما يوضع فيه الثياب .