أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلَّام قال : تذاكروا جريرا والفرزدق في حلقة يونس [ 1 ] بن معاوية بن أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر ومسمع وعامر ابنا عبد الملك المسمعيّان ، فسمعت عامرا وهو شيخ بكر بن وائل يقول : كان جرير واللَّه أنسبهما وأسبّهما وأشبههما .
سمع الراعي شعره فأقرّ بأنه جدير بالسبق
: قال ابن سلَّام : وحدّثني أبو البيداء قال : مرّ راكب بالراعي وهو يغنّي بيتين لجرير ، وهما :
وعاو عوى من غير شيء رميته
بقارعة أنفاذها تقطر الدّما
خروج بأفواه الرّواة كأنّها
قرا هندوانيّ [ 2 ] إذا هزّ صمّما
فأتبعه الراعي رسولا يسأله لمن البيتان ؟ قال : لجرير . قال : لو اجتمع على هذا جميع الجنّ والإنس ما أغنوا فيه شيئا . ثم قال لمن حضر : ويحكم أألام على أن يغلبني مثل هذا ! .
رأي بشار فيه وفي صاحبيه ورثاؤه ابنه
: قال ابن سلَّام : وسألت بشّارا المرعّث : أيّ الثلاثة أشعر ؟ فقال : لم يكن الأخطل مثلهما ولكنّ ربيعة تعصّبت له وأفرطت فيه . قلت : فهذان ؟ قال : كانت لجرير ضروب من الشعر لا يحسنها الفرزدق ، ولقد ماتت النّوار فقاموا ينوحون عليها بشعر جرير . فقلت لبشّار : وأيّ شيء لجرير من المراثي إلَّا التي رثى بها امرأته ! فأنشدني لجرير يرثي ابنه سوادة ومات بالشأم :
قالوا نصيبك من أجر لهم
كيف العزاء وقد فارقت أشبالي
/ فارقتني حين كفّ الدهر من بصري
وحين صرت كعظم الرّمة البالي
أمسى سوادة يجلو مقلتي لحم [ 3 ]
باز يصرصر فوق المربأ العالي
قد كنت أعرفه منّي إذا غلقت
رهن الجياد ومدّ الغاية الغالي [ 4 ]
إنّ الثّويّ [ 5 ] بذي الزّيتون فاحتسبي
قد أسرع اليوم [ 6 ] في عقلي وفي حالي
إلَّا تكنّ لك بالدّيرين معولة
فربّ باكية بالرّمل معوال
هامش
[ 1 ] وردت هذه العبارة هكذا في جميع الأصول . ولعل الصواب فيها : في حلقة يونس بن حبيب وفيها أبو عمرو بن العلاء . . . إلخ « لأن الذي كانت له حلقة بالبصرة هو يونس بن حبيب وكان يقصده طلبة العربية وفصحاء الأعراب والبادية . وكان من معاصري أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر والمسمعيين المذكورين هنا ، وهم الذين تكررت رواية محمد بن سلام عنهم في » طبقاته « ، وكانوا يتزاورون ويتذاكرون في المسائل العربية وغيرها ولهم مجالس معروفة في ذلك . ( راجع » الأمالي « لأبي علي القالي ج 1 ص 48 طبعة دار الكتب المصرية و » طبقات ابن سلام « طبعة أوروبا و » نزهة الألبا في طبقات الأدبا « لابن الأنباري ) .
[ 2 ] الهندواني ( بكسر الهاء وتضم ) : المنسوب للهند ، وهي نسبة شاذة .
[ 3 ] اللحم : البازي الذي يأكل اللحم أو يشتهيه . وصرصر : صوّت وصاح أشد الصياح . والمربأ : المرقب .
[ 4 ] الغالي : الرامي بالسهام .
[ 5 ] الثويّ المقيم .
[ 6 ] كذا في أكثر الأصول و « تجريد الأغاني » و « ديوانه » . وفي ب ، س : « الموت » .