ثم أتاها عبد اللَّه بن علقمة ليرجعها إلى منزلها ، فوجد حبيشة قد زيّنت لأمر كان في الحيّ ، فازداد بها عجبا ، وانصرف بأمّه في غداة تمطر ، فمشى معها شيئا ثم أنشأ يقول :
وما أدري بلى إنّي لأدري
أصوب القطر أحسن أم حبيش
حبيشة والذي خلق الهدايا
وما عن بعدها للصّبّ عيش
فسمعت ذلك أمّه فتغافلت عنه وكرهت قوله . ثم مشيا مليّا ، فإذا هو بظبي على ربوة من الأرض ، فقال :
يا أمّتا أخبريني غير كاذبة
وما يريد مسول الحقّ بالكذب
أتلك أحسن أم ظبي برابية
لا بل حبيشة في عيني وفي أربي
/ فزجرته أمّه وقالت له : ما أنت وهذا ! نزوّجك بنت عمك فهي أجمل من تلك . وأتت امرأة / عمّه فأخبرتها خبره ، وقالت : زيّني ابنتك له ، ففعلت وأدخلتها عليه . فلما رآها أطرق . فقالت له أمّه : أيّهما الآن أحسن ؟ فقال :
إذا غيّبت عنّي حبيشة مرّة
من الدّهر لم أملك عزاء ولا صبرا
كأنّ الحشى حرّ السّعير يحشّه [ 1 ]
وقود الغضى والقلب مستعرا [ 2 ]
وجعل يراسل الجارية وتراسله حتى علقته كما علقها ، وكثر قوله للشعر فيها . فمن ذلك قال :
حبيشة هل جدّي وجدّك جامع
بشملكم شملي وأهلكم أهلي
وهل أنا ملتفّ بثوبك مرّة
بصحراء بين الأليتين [ 3 ] إلى النخل
وهل أشتفي من ريق ثغرك مرّة
كراح ومسك خالطا [ 4 ] ضرب النّحل
فلما بلغ أهلها خبرهما حجبوها عنه مدّة ، وهو يزيد غراما بها ويكثر قول الشعر فيها . فأتوها فقالوا لها : عديه السّرحة ، فإذا أتاك فقولي له : نشدتك اللَّه إن كنت أحببتني فو اللَّه ما على الأرض شيء أبغض إليّ منك ، ونحن قريب نستمع ما تقولين . فوعدته وجلسوا قريبا يستمعون ، وجلست عند السّرحة ، وأقبل عبد اللَّه لوعدها . فلما دنا منها دمعت عينها والتفتت إلى حيث أهلها جلوس ، فعرف أنهم قريب فرجع . وبلغه ما قالوا لها أن تقوله فأنشأ يقول :
لو قلت ما قالوا لزدت جوّى بكم
على أنه لم يبق ستر ولا صبر
/ ولم يك حبّي عن نوال بذلته
فيسليني عنه التجهّم والهجر
وما أنس م الأشياء لا أنس دمعها
ونظرتها حتى يغيّبني القبر
هامش
[ 1 ] يقال : حش النار يحشها حشا إذا أوقدها .
[ 2 ] كذا في ب ، س . وفي سائر الأصول : « والقلب مصفرا » . وكلاهما غير متزن .
[ 3 ] كذا في أ ، ء ، م . وألية : ماءة من مياه بني سليم ، وفيها أقوال أخرى . ( راجع « معجم البلدان » لياقوت ) . وفي سائر الأصول : « الألتين » بتقديم التاء على الياء . والنخل : اسم لمواضع كثيرة .
[ 4 ] الضرب ( بالتحريك ) . العسل الأبيض الغليظ .