كمقتبض يوما على عرض هبوة [ 1 ]
يشدّ عليها كفّه بالأنامل
فكتب إليه هشام : « قد فهم أمير المؤمنين ما كتبت به من قطع ما قطع وغير ذلك . وأمير المؤمنين يستغفر اللَّه من إجرائه ما كان يجري عليك ، ولا يتخوّف على نفسه اقتراف المآثم في الذي أحدث من قطع ما قطع ومحو من محا من صحابتك ، لأمرين : أمّا أحدهما فإنّ أمير المؤمنين يعلم مواضعك التي كنت تصرف إليها ما يجريه عليك .
وأما الآخر فإثبات صحابتك وأرزاقهم دارّة عليهم لا ينالهم ما نال المسلمين عند قطع البعوث عليهم وهم معك تجول بهم في سفهك . وأمير المؤمنين / يرجو أن يكفّر اللَّه عنه ما سلف من إعطائه إيّاك باستئنافه قطعه عنك . وأما ابن سهيل ، فلعمري لئن كان نزل منك بحيث يسوءك ما جرى عليه لما جعله اللَّه لذلك أهلا . وهل زاد ابن سهيل ، للَّه أبوك ، على أن كان زفّانا [ 2 ] مغنيّا قد بلغ في السّفه غايته ! وليس مع ذلك ابن سهيل بشرّ ممّن كنت تستصحبه في الأمور التي ينزّه أمير المؤمنين نفسه عنها مما كنت لعمري أهلا للتوبيخ فيه . وأما ما ذكرت ممّا سبّبه اللَّه لك ، فإن اللَّه قد ابتدأ أمير المؤمنين بذلك واصطفاه له ، واللَّه بالغ أمره . ولقد أصبح أمير المؤمنين وهو على يقين من رأيه إلَّا أنه لا يملك لنفسه مما أعطاه اللَّه من كرامته ضرّا ولا نفعا ، وإن اللَّه وليّ ذلك منه وإنه لا بدّ له من مفارقته ، وإنّ اللَّه أرأف بعباده وأرحم من أن يولَّي أمرهم غير من يرتضيه لهم منهم . وإن أمير المؤمنين مع حسن ظنّه بربّه لعلى أحسن الرجاء لأن يولَّيه بسبب ذلك لمن هو أهله في الرّضا به لهم ؛ فإنّ بلاء اللَّه عند أمير المؤمنين أعظم من أن يبلغه ذكره أو يوازيه شكره إلَّا بعون منه . ولئن كان قد قدر اللَّه لأمير المؤمنين وفاة تعجيل ، فإن في الذي هو مفض وصائر إليه من كرامة اللَّه لخلفا / من الدنيا . ولعمري إن كتابك لأمير المؤمنين بما كتبت به لغير مستنكر من سفهك وحمقك ، فأبق على نفسك وقصّر من غلوائها وأربع على ظلعك ؛ فإنّ للَّه سطوات وغيرا يصيب بها من يشاء من عباده .
وأمير المؤمنين يسأل اللَّه العصمة والتوفيق لأحبّ الأمور إليه وأرضاها له . وكتب في أسفل الكتاب :
إذا أنت سامحت الهوى قادك الهوى
إلى بعض ما فيه عليك مقال
والسلام .
بشر بالخلافة بعد موت هشام
: أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز ، وأخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة عن المدائنيّ عن جويرية بن أسماء [ 3 ] عن المنهال بن عبد الملك عن إسحاق بن أيّوب كلَّهم عن أبي الزّبير المنذر بن عمرو - قال : وكان كاتبا للوليد بن يزيد - قال :
أرسل إليّ الوليد صبيحة اليوم الذي أتته فيه الخلافة فأتيته ؛ فقال لي : يا أبا الزّبير ، ما أتت عليّ ليلة أطول من هذه الليلة ، عرضتني أمور وحدّثت نفسي فيها بأمور ، وهذا الرجل قد أولع بي ، فاركب بنا نتنفّس . فركب وسرت معه ، فسار ميلين ووقف على تلّ فجعل يشكو هشاما ، إذ نظر إلى رهج [ 4 ] قد أقبل - قال عمر بن شبّة في حديثه -
هامش
[ 1 ] الهبوة : الغبرة .
[ 2 ] الزفن : الرقص .
[ 3 ] كذا ورد هذا الاسم في جميع الأصول فيما سبق ، وهو الموافق لما جاء في « تهذيب التهذيب » و « الطبري » في عدّة مواضع . وقد ورد هنا في هذا الموضع : « جويرية بن إسماعيل » وهو تحريف .
[ 4 ] الرهج ( بفتح فسكون ويحرك ) : الغبار .