تآخى العناء والغربة مع حياة أهل البيت عليهم السلام منذ أن اختار هؤلاء نصرة دين الله تعالى ، ومنذ أن أجاب أمير المؤمنين ( نداء رسول الله في يوم الدار : أيكم يؤازرني على هذا الأمر ؟ فلبى الوصي نداء النبي صلى الله عليه وآله وعندها كان ينبغي أن يدفع ـ وولده ـ ثمن ذلك ..
ونقدوا الرسالةَ والشريعة ثمن ذلك ، وأعطوا من أنفسهم ما بخل به غيرهم !! ولم يخلُ زمانٌ من صور ( الشهادة ) على ذلك العطاء السخي .
بعض تلك الصور هي لوحات دماء قانية لونت أراضي المعارك ، بدءا من بدر وأحد ومرورا بكربلاء وباخمرى وفخ ، وبعضها كان بلون الحديد الذي صدئ على سيقان وأذرع العلويين ، ولم تصدأ عزائمهم !!
وتشظت مقابرهم تباعداً وافتراقاً ، بعدما ( شطت بهم غربة النوى ) ، فتلك ( مشاهدهم ) شاهدة على حالهم مع الغربة ، والغربة معهم ! فهاهم :
بعض بطيبة مدفون وبعضهـــم بكربلاء وبعض بالغريـين
وأرض طوس وسامرا وقد ضمنت بغداد بدرين حلاّ وسط قبرين
وبقدر ما كان ذلك الثمن الباهظ مكلفاً ومجهداً ، كان نافعاً ومفيداً ، فقد أنبت هؤلاء في كل أرض وصلوها غراس معرفة وجهاد ، وغرسوا في كل بقعة بذور رسالة ونشاط ، حتى ( اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ )[237] .
فكان أن صارت قم ، تلك القرية البعيدة عن المعرفة والعلم ، والتي لا ماؤها يحلو ولا هواؤها ، وليس لها من مقومات البلد المهم شيء يذكر .. صارت قبلة الراغبين في العلم والمعرفة ، وملقى عصا الترحال لجموع الأشعريين اليمانيين الذين أتعبهم التطواف بحثاً عن ما يستقر به النوى ..
كانت هجرة ـ بل هجرات أهل البيت عليهم السلام ـ رجالاً ونساءً ، تلك الهجرات القسرية منها ـ وما أكثرها ـ والاختيارية ، بوابة فتوح
هامش
237 ) الحج:5