وهنا سيحصل التجاذب بين كون هذا الإنسان يعتقد بأنه هذا المال جزء من عمره وحياته فينبغي أن يحتفظ به وبين كون حقيقة هذا المال (عارية وأمانة) من قبل مالكها الحقيقي والمالك يأمره بدفعه إلى آخرين، فعندما ينفذ ذلك ينتصر على نوازع الأنا والذات ويتجه لمساعدة الغير، فتزكو نفسه وتعلو..
بل إن هذا المال حينما يعطى للغير يزكو وينمو وذلك لأن المعطي الحقيقي له والواهب يرى باذله مستحقا للمزيد فيرزقه. وهذا هو النماء في الرزق.
و(الصيام تثبيتاً للإخلاص)، فقد قالوا لعل الصوم هو العبادة الوحيدة التي لا يتيسر فيها التظاهر والرياء كما في غيره من العبادات. فالصلاة بطبيعتها تعلن عن نفسها وبالتالي عن إيمان صاحبها، وفيها مظاهر لا تكون في غيرها، فإذا أطال الشخص الركوع والسجود وقراءة السور لأجل أن يراه الآخرون فقد تحقق الرياء، بينما لا نجد هذا في الصوم إذ لا توجد فيه أعمال، فإنه (الامساك عن المفطرات) أو الكف عنها، ولا يتحقق إعلان عن هذا، فقد يستطيع شخص أن يكون صائما عدة أيام ولا يشعر به من حوله، لكنه لا يستطيع ذلك بالنسبة للصلاة إلا إذا تخفى فيها.
كما أن في الصوم يستشعر الصائم رقابة خالقه، فلا يفطر مع أنه لو فعل ذلك بالسر لما شعر به أحد فيتركز الاخلاص لربه في نفسه.
(والحج تشييداً للدين):
هو المنظر الذي تتجلى فيها قوة الإسلام والمسلمين ووحدتهم، أن المسلمين وبهذا العدد الكبير يجتمعون على صعيد واحد وفي حالة انسجام واحدة كما هو المفروض ان يصنع الحج، فهذا يُشيّد الدين. إن قدرة الإسلام على تحريك الملايين من البشر بنظام واحد وفي زمان واحد ونحو هدف واحد وهم يشتركون في عمل واحد قد لا نراها في موضع كما نراها أيام الحج..
(والعدل تنسيقا للقلوب):
إنما تجتمع القلوب على العدالة والقانون، فإنك لا تستطيع ان ترضي الناس بالأموال حيث لا تكفي حاجات كل الناس بل ربما كانت هي منشأ التنازع بينهم كما هو المشهود. فالعلاج أنك اذا أردت تنسيقاً للقلوب فلتعمل بالعدل، العدل في العطاء، والعدل في القضاء والحكم، ولأجل ذلك أمر الله سبحانه وتعالى بالعدل فقال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ).[74] وقدمه المعصومون على الجود والكرم لعمومية العدل وخصوصية الجود.[75] فعندما يكون الناس خاضعين للقانون ويكون العدل حاكماً على الجميع تتسق القلوب في الاتجاه الصحيح، ويحصل رضا عام لدى الناس على وضعهم المعيشي.
(وطاعتنا نظاما للملة وامامتنا امانا من الفرقة)
لو أن المسلمين أقاموا هذا النظام وأتبعوا هذا الإمام الذي جعله رسول الله صلى الله عليه وآله بمقتضى حديث الثقلين (ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبدا) فـ(الفرقة) والاحتراب والتشرذم ضلال بلا اشكال، لماذا؟ لأن الثقلين ليسا هما القائدين للناس، وإنما القادة هم غير ذلك، فمتى ما صارت إمامة أهل البيت عليهم السلام التي هي الثقل الآخر للناس تكون أماناً من الفرقة والتشرذم والضلال.
(والجهاد عزاً للإسلام والصبر معونة على استيجاب الأجر)
لا شك أن من يريد أن يستوجب الأجر ويصل إليه، لا بد له من الصبر على ما يواجه، فهذا الأمر لا يحتاج إلى صرف أشياء كثيرة. هناك بعض الأمور لكي تحصل فيها على الثواب تحتاج إلى معاناة، فالحج يحتاج إلى سفر، الجهاد يحتاج إلى أن تبذل شيئاً كثيراً من بدنك. أما الشيء الذي تريده ولا يحتاج إلى صرف وتريد عليه الأجر الكثير هو الصبر على ما تلاقي، الصبر على المصائب التي
هامش
74 ) النحل: 90
75 ) نهج البلاغة : الحكمة ٤٣٤: سئل عليه السلام أَيّهُما أَفضل: العدل، أَو الجود؟ فقال: الْعَدْلُ يَضَعُ الْأُمُورَ مَوَاضِعَهَا، والْجُودُ يُخْرِجُهَا عَنْ جِهَتِهَا، وَالْعَدْلُ سَائِسٌ عَامٌّ، وَالْجُودُ عَارضٌ خَاصٌّ، فَالْعَدْلُ أَشْرَفُهُمَا وَأَفْضَلُهُمَا.