انه لو انقطعت عنه لا تقوم حياته، ولكن هذا من انتشار النعمة الإلهية وسبوغها في كل شيء فالحمد لله رب العالمين، (وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)[57].
(وتمام منن والاها) نعمة الله حين تأتي إليك تأتي تامة فهي في منتهى الكمال ولا يوجد من ورائها غاية، الخلقة التي انت عليها أيها الإنسان هي في (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) جمالا وكمالا واداء، ولو اجتمع البشر لكي يشكلوا آلة تخدم الإنسان بغير هذا الشكل فيها يجتمع جمال الشكل وكمال الاداء والتكامل مع سائر الأجهزة، لا يستطيعون أبداً، مع أن الله تعالى قادر أن يجعله يؤدي الغرض لكن من غير جمال أو تناسق كأن يجعل أنفا للتنفس لكن ليس بالضرورة أن يكون جميلا رائعا يتغنى به، أو يخلق وسيلة إبصار لكن لا بهذا النحو الجميل والكامل.. إلا أن الله سبحانه جعل نعمه تامة بحيث لا يستطاع القول بأن يا ليت كان هكذا أو على ذلك النحو المختلف! ولك للمقارنة أنك حين تذهب إلى منزل في غاية الجمال، يبقى في ذهنك اقتراح أن لو كان هكذا أو بذلك الشكل أو.. لكان أفضل. لكن في نعم الله سبحانه وتعالى جعل هذا الأنف نقطة جمال وكمال في نفس الوقت، فالنعم هنا تامة لا يوجد من ورائها قول يا ليت كان بهذا الشكل، فمثلاً أنت حينما تذهب إلى بيت وتقول هذا البيت جميل لكن لو كان الترتيب بهذا الشكل لكان أجمل، لكن بالنسبة إلى نعم الله عز وجل لا يوجد لمثل هذا الكلام أبداً.
لم أكن أريد أن اطيل في المقدمة لتعداد السيدة الزهراء عليها السلام لهذه النعم بأشكالها المختلفة وبتعبيرات متعددة كل تعبير يفيد معنى غير التعبير السابق وتحمّل الإنسان مسؤولية هذه النعم ثم تأتي في قضية معرفة الله عز وجل.
لاحظ أن السيدة الزهراء جاءت تناظر في موضوع الخلافة والإمامة ابتداءً من التعريف بالله عز وجل ثم التعريف بالنبي صلى الله عليه وآله، ثم التعريف بسيرة أمير المؤمنين عليهم السلام ونشأة التشيع ثم تأتي إلى البحث الخاص في الإمامة والميراث
التعريف بالله تعالى: أشهد أن لا إله إلا الله:
(أشهد أن لا إله إلا الله؛ كلمة) تقرأ كلمة بنحوين؛ بالضم؛ وبالفتح (جعل الإخلاص تأويلها وضمّن القلوب موصولها وأنار في التفكر معقولها) اشهد ان لا إله الله: لها جهتان؛ جهة ظاهرية هي هذه الكلمة التي إذا قالها الإنسان وأتبعها بالشهادة لنبينا محمد صلى الله عليه وآله يترتب على هذه الكلمة مجموعة من الآثار، منها أن هذا الإنسان يكون مسلماً ويكون ماله حراماً محترماً وعرضه كذلك، وله ما للمسلمين وعليه ما عليهم، ولكن هناك جانبا أعمق لها، فهذا يحتاج إلى التأويل والغوص في هذه الكلمة وينتهي إلى تخليصها من الشوائب من شوائب المعرفة الخاطئة لله عز وجل، إذا أردت أن تعرف الله معرفة عميقة تحتاج إلى أن تجرد هذه المعرفة من الشوائب، كيف يعرف اليهود ربهم بشكل وكيف يعرف بعض المسلمين ربهم بشكل آخر؟ كما سيأتي؟ وكيف يَعرف ويُعرّف أهل البيت عليهم السلام ربهم؟ فلا بد أن تكون هذه المعرفة خالصة من الشوائب والمعارف غير الصحيحة.
إن اخلاص العبادة لله هي فرع الاعتقاد بألا إله إلا الله، والاعتقاد بأنه لا مؤثر حقيقة في الكون إلا هو سبحانه وبأنه لا حول ولا قوة إلا به. وهذا الاعتقاد إذا كان عميقا وحقيقيا فإن المعتقد به سوف لا يؤمن بأن قدره ورزقه بيد فلان فيتوسل إليه وبه ما لا يصنع مع خالقه، ويركض وراءه طيلة حياته ما لا يمارسه مع ربه! مع فقدان الاخلاص وإفراد الله بالعبودية والتوجه لا ينفع كثيرا أن يكرر الشخص قول أشهد أن لا إله إلى الله.. نعم يترتب على مثل هذا القول بعض الآثار الظاهرية التي ذكرناها من تعنون الشخص بعنوان الإسلام، ولكن آثارها الحقيقية لا تحصل إلا بممارستها بصدق والايمان بها بعمق. جعل الإخلاص أولياً لها وعمقاً فيها، و(ضمن القلوب موصولها)، بالرغم من أن المعرفة الكاملة والشاملة بالله سبحانه متعسرة على الإنسان، إلا أن المعرفة الفطرية بالله موجودة في داخل قلب كل إنسان، قد ضمّن الله سبحانه وتعالى هذه المعرفة قلوب الناس وفطرتهم. وبهذا المقدار يمكن الاحتجاج عليهم فلا يستطيع إنسان أن يقول إن إدراك ومعرفة الله حق المعرفة لا تستطاع فإذن لا يلزم الايمان به
هامش
57 ) النحل: 18