الأمم والمبلغون، لما فيه فهو كتاب ولكنه ناطق وقرآن صادق ونور ساطع، وهو لكل الناس لا لفئة دينية خاصة تقرأه وتخبر سائر الناس بما فيه، كما هو حال اليهود وإنما هو بصائر بينة وظواهر ألفاظه جلية فهو حجة على كل من يؤمن به إذ أنه مخاطب به وظواهر القرآن مفهومة عنده. وهذه العبارات يمكن الاستدلال بها على حجية ظواهر القرآن الكريم، وهذا الكتاب المجيد فيه حُجَجُ اللهِ والأدلة عليه، وعَزائِمُهُ وَرُخَصُهُ وَفَضائِلُهُ، وَبيان مَحارِمه وتحذيراته، وَبَيِّناتُهُ، وَبَراهِينُهُ، وَشَرائعُهُ فهذه كلها يجدها الناظر في القرآن، وكلٌّ يغترف بمقدار وعائه منها.
حديث الزهراء عليها السلام عن التشريع وفلسفته:
من خلال القرآن الكريم نفذت عليها السلام إلى الحديث عن التشريع:(فَجَعَلَ اللهُ الإيمانَ تَطْهيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلاةَ تَنْزِيهاً لَكُمْ عَنِ الكِبْرِ، والزَّكاةَ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ وَنَماءً في الرِّزْق، والصِّيامَ تَثْبيتاً للإِخْلاصِ، والحَجَّ تَشْييداً لِلدّينِ، وَالعَدْلَ تَنْسيقاً لِلْقُلوبِ، وَطاعَتَنا نِظاماً لِلْمِلَّةِ، وَإمامَتَنا أماناً مِنَ الْفُرْقَةِ، وَالْجِهادَ عِزاً لِلإسلام، وَالصَّبْرَ مَعُونَةً عَلَى اسْتِيجابِ الأْجْرِ، وَالأْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعامَّةِ، وَبِرَّ الْوالِدَيْنِ وِقايَةً مِنَ السَّخَطِ، وَصِلَةَ الأَرْحامِ مَنْماةً لِلْعَدَدِ).
حيث بينت أن لكل تشريع في الإسلام حكمة وأن هذه العبادات ليست من غير فلسفة، فثبتت وجود التشريع ولزومه مما ينفي قول بعض المتصوفة ومن يؤمن بأفكارهم من أن الغاية هي الإيمان والتقوى وإنما العبادة طريق إلى ذلك وجسر للوصول، فإذا حصل المرء على الغاية فلا داعي للطريق وهو العبادة، وقد نجد أمثالا معاصرة لهؤلاء عندما يقول إن قلبه عامر بالايمان ولذلك فلا داعي للصلاة! أو تقول إنها مؤمنة في قلبها فلا داعي للحجاب لأن المهم هو الجوهر.. كل ذلك كلام باطل! فإن الله شرع الدين وجعل العبادات الطريق الوحيد للوصول إليه، فلا يقبل منه طريق آخر ولذلك عاقب على تركها وكان الانبياء أول المطالبين بها مع كمال إيمانهم!
نعم هذه العبادات ليست بلا غرض وإنما هي هادف أن توصل الإنسان للتكامل كما ذكرت الزهراء ويأتي تفصيلها في صفحات قادمة.
إعلموا أني فاطمة:
وبعد أن انتهت سلام الله عليها من الحديث عن التشريعات الإسلامية والعبادات وأنها ذات حكمة وذات فلسفة، عادت مرة أخرى لذكر النبي وذكر الإمام علي صلوات الله عليهما حيث لا يكتمل معرفة القرآن الكريم ولا يكتمل معرفة الله عز وجل ومعرفة النبي إلا بمعرفة الولي والوصي، فهنا عطفت على ذكر الإمام علي عليه السلام وقالت مخاطبة الناس ((أيُّها النّاسُ! اعْلَمُوا أنِّي فاطِمَةُ، وَأبي مُحمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، أَقُولُ عَوْداً وَبَدْءاً، وَلا أقُولُ ما أقُولُ غَلَطاً، وَلا أفْعَلُ ما أفْعَلُ شَطَطاً(لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيم)[24] فَإنْ تَعْزُوه – أي تنسبوه- وَتَعْرِفُوهُ تَجِدُوهُ أبي دُونَ نِسائِكُمْ، وَأخا ابْنِ عَمَّي دُونَ رِجالِكُمْ، وَ لَنِعْمَ الْمَعْزِيُّ إلَيْهِ صَلى الله عليه وآله، فَبَلَّغَ الرِّسالَةَ صادِعاً بِالنِّذارَةِ، مائِلاً عَنْ مَدْرَجَةِ الْمُشْرِكِينَ، ضارِباً ثَبَجَهُمْ، آخِذاً بِأكْظامِهِمْ، داعِياً إلى سَبيلِ رَبِّهِ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنةِ، يَكْسِرُ الأَصْنامَ، وَيَنْكُتُ الْهامَ، حَتَّى انْهَزَمَ الْجَمْعُ وَوَلُّوا الدُّبُرَ، حَتّى تَفَرَّى اللَّيْلُ عَنْ صُبْحِهِ، وَأسْفَرَ الحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ)
حديثها عليها السلام عن جهاد علي عليه السلام بين يدي رسول الله:
بعد ذلك تثني عليها السلام على علي عليه السلام فتقول(كُلَّما أوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللهُ، أوْنَجَمَ قَرْنٌ لِلْشَّيْطانِ، وَفَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَذَفَ أخاهُ في لَهَواتِها، فَلا يَنْكَفِئُ حَتَّى يَطَأَ صِماخَها بِأَخْمَصِهِ، وِيُخْمِدَ لَهَبَهَا بِسَيْفِهِ، مَكْدُوداً في ذاتِ اللّهِ، مُجْتَهِداً في أمْرِ اللهِ، قَرِيباً مِنْ رِسُولِ اللّهِ سِيِّدَ أوْلياءِ
هامش
24 ) سورة التوبة: آية 128