بل لقد صرح أحد الدعاة بقوله ـ كما هو مسجل بالصوت والصورة على الانترنت ـ بقوله (سابقا كنت مترددا في أن الله يرى أو لا يرى ولكن الموضوع الآن عندي شيء طبيعي لأني رأيت الله عشر مرات)!!.
هنا تأتي الهداية المعصومة، حيث تقول الزهراء عليها السلام (الْمُمْتَنِعُ مِنَ الأبْصارِ رُؤْيِتُهُ)، استحالة عقلية فلسفية، يمتنع على الأبصار أن تراه سواء كان ذلك في الدنيا أو الآخرة! وكذلك يمتنع (مِنَ اْلأَلْسُنِ صِفَتُهُ)، بل(وَمِنَ الأَوْهامِ كَيْفِيَّتُهُ)، لاحظ التدرج في المراحل السابقة.
وما جرى على لسان الصدّيقة فاطمة هو المطابق للقرآن الكريم الذي يصرح بأنه لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[22]، ويقول لنبيه الكريم موسى بن عمران بعد أن طلب منه الرؤية ـ لما سأله اليهود ذلك ـ (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي..)[23] ولن تراني نفي تأبيدي في هذه النشأة وما بعدها.
تعريف الزهراء عليها السلام للنبي صلى الله عليه وآله:
فالزهراء عليها السلام بعد الحديث عن معرفة الله عز وجل ومعرفة صفاته، عطفت بالنبي محمد صلّى الله عليه وآله لتشهد له بالنبوة والرسالة (وَأَشْهَدُ أنّ أبي مُحَمَّداً صلّى الله عليه وآله عبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اخْتارَهُ وَانْتَجَبَهُ قَبْلَ أَنْ أَرْسَلَهُ، وَسَمّاهُ قَبْلَ أنِ اجْتَبَلَهُ، وَاصْطِفاهُ قَبْلَ أنِ ابْتَعَثَهُ، إذِ الْخَلائِقُ بالغَيْبِ مَكْنُونَةٌ، وَبِسِتْرِ الأَهاويل مَصُونَةٌ، وَبِنِهايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُونَةٌ) – وهذا لا يعني أن النبي صلّى الله عليه وآله لم يكن يعلم بنفسه وفجأة نزل عليه جبريل وغطه ثلاث مرات وأرسله! وأن النبي كما يقولون هرول قائلا زملوني دثروني! لا، بل اصطفاه الله بالرسالة وانتجبه قبل خلق الخلق والوجود، وهذا يفسر قول الرسول ص:(كنت نبيا وآدم بين الماء والطين). وكان يتراءى له الملك ويسلم عليه الشجر والحجر ويعرف الآخرون فيه علامات النبوة.. أفكان يجهل نفسه في ذلك بينما عرفه الأحبار والرهبان؟
وصف الزهراء عليها السلام لحالة الأمم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وآله:
ثم تطرقت الزهراء للحديث عن النبي صلّى الله عليه وآله ووصف حالة الأمم قبل بعثته:(فَرَأى الأُمَمَ فِرَقاً في أدْيانِها، عُكَّفاً على نيرانِها، عابِدَةً لأَوثانِها، مُنْكِرَةً لله مَعَ عِرْفانِها. فَأَنارَ اللهُ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله ظُلَمَها).
حديثها عن القرآن الكريم:
انتقلت الزهراء سلام الله عليها بالحديث عن القرآن، فلاحظوا التسلسل بالحديث عن الأصول أولاً الله تعالى، فالنبي صلّى الله عليه وآله ثم القرآن الكريم باعتباره معجزة النبي صلّى الله عليه وآله حيث التفتت إلى أهل المجلس وقالت:
(أَنْتُمْ عِبادَ الله نُصْبُ أمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَحَمَلَةُ دينِهِ وَوَحْيِهِ، وِأُمَناءُ اللهِ عَلى أنْفُسِكُمْ، وَبُلَغاؤُهُ إلى الأُمَمِ، وَزَعَمْتُمْ حَقٌّ لَكُمْ للهِ فِيكُمْ، عَهْدٌ قَدَّمَهُ إِلَيْكُمْ، وَبَقِيَّةٌ استَخْلَفَها عَلَيْكُم، اللهِ المُنَوَّرَةُ، وَعَزائِمُهُ المُفَسَّرَةُ، وَمَحارِمُهُ المُحَذَّرَةُ، وَبَيِّناتُهُ الجالِيَةُ، وَبَراهِينُهُ الكافِيَةُ، وَفَضائِلُهُ المَنْدوبَةُ كِتابُ اللهِ النّاطِقُ، والقُرْآنُ الصّادِقُ، وَالنُّورُ السّاطِعُ، وَالضِّياءُ اللاّمِعُ، بَيِّنَةٌ بَصائِرُهُ، مُنْكَشِفَةٌ سَرائِرُهُ، مُتَجَلِّيَةٌ ظَواهِرُهُ، مُغْتَبِطَةٌ بِهِ أَشْياعُهُ، قائِدٌ إلى الرِّضْوانِ اتّباعُهُ، مُؤَدٍّ إلى النَّجاةِ إسْماعُهُ. بِهِ تُنالُ حُجَجُ، وَرُخَصُهُ المَوْهُوبَةُ، وَشَرائعُهُ المَكْتُوبَةُ). فهذا العهد الذي قدمه الله تعالى للمسلمين الذين يفترض أن يكونوا منتصبين لأمره واجتناب نهيه في حياتهم الشخصية مخلصين أمناء في ذلك، بل وهم حملة القرآن وأحكامه إلى بقية
هامش
22 ) الأنعام:103
23 ) الأعراف: 143