شيء دفع إليّ ؟ فقال : دع ذا عنك ، فو اللَّه / ما بعثك إلا أمير المؤمنين ومعك مال وكسوة إليّ ، وأمرك أن تسألني عن هذه القصيدة فإن أنشدتك إياها ضربت عنقي وحملت رأسي إليه ، وإن أنشدتك هذه اللامية دفعت إلى ما حمّلك إياه ؛ فضحك الرسول ثم قال : صدقت لعمري ؛ ودفع إليه الألف الدينار والخلعة . فما سمعنا بشيء أعجب من حديثهما .
استقل المهدي على المنصور جائزته فأجابه :
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا الزبير بن بكَّار قال حدّثنا عمّي عن جدّي قال :
لما أنشد ابن هرمة المنصور قصيدته اللامية التي مدحه بها أمر له بألف [ 1 ] درهم ؛ فكلَّمه فيه المهديّ واستقلَّها ؛ فقال يا بني ، لو رأيت هذا بحيث رأيته وهو واقف بين يدي عبد الواحد بن سليمان ينشده :
وجدنا غالبا كانت جناحا
وكان أبوك قادمة الجناح
لا ستكثرت له ما استقللته ، ولرأيت أنّ حياته بعد ذلك القول ربح كثير . واللَّه إني يا بنيّ ما هممت له منذ يومئذ بخير فذكرت قوله إلا زال ما عرض بقلبي إلى ضده حتى أهمّ بقتله ثم أعفو عنه . فأمسك المهديّ .
بعض شعره الذي يغني فيه :
ومما يغنّي فيه من مدائح ابن هرمة في عبد الواحد بن سليمان قوله من قصيدة أنا ذاكرها بعد فراغي من ذكر الأبيات ، على أن المغنين قد خلطوا مع أبياته أبياتا لغيره :
صوت
ولما أن دنا منّا ارتحال
وقرّب ناجيات السير كوم [ 2 ]
تحاسر واضحات اللون زهر
على ديباج أوجهها النعيم
/ أتين مودّعات والمطايا
لدى أكوارها خوص هجوم [ 3 ]
فكم من حرة بين المنقّى [ 4 ]
إلى أحد إلى ما حازريم [ 5 ]
ويروى :
فكم بين الأقارع [ 6 ] فالمنقّى
وهو أجود .
إلى الجمّاء [ 7 ] من خدّ أسيل
نقّي اللون ليس به كلوم
هامش
[ 1 ] في أ ، ء : « بألفي » .
[ 2 ] الناجيات : النوق السريعة تنجو بمن ركبها . والكوم : النوق الضخمة السنام .
[ 3 ] خوص : جمع أخوص وخوصاء ، والخوص : ضيق العين وصغرها وغؤورها . وهجمت العين هجوما : غارت ودخلت في موضعها .
[ 4 ] المنقى : طريق بين أحد والمدينة .
[ 5 ] الريم : ( بالكسر والهمز وسهل ) : واد لمزينة قرب المدينة .
[ 6 ] الذي في المعاجم : الأقرع ( بالإفراد ) وهو جبل بين مكة والمدينة بالقرب منه جبل يقال له الأشعر . وقد تقدّم غير مرة أنه يسوغ في الشعر أن يجيء اسم المكان مفردا ومثنى ومجموعا حسب الضرورة الشعرية والكل واحد .
[ 7 ] الجماء : جبيل من المدينة على ثلاثة أميال من ناحية العقيق إلى الجرف ( بضم الجيم وسكون الراء ) ، وقيل : هي إحدى هصبتين عن