وهذه القصيدة من فاخر شعر ابن هرمة ، وأولها :
أجارتنا روّحي نغمة
على هائم النفس مهتاجها
ولا خير في ودّ مستكره
ولا حاجة دون إنضاجها
- يقول فيها يمدح عبد الواحد بن سليمان - :
كأن قتودي على خاضب
زفوف العشيّات هدّاجها [ 1 ]
إلى ملك لا إلى سوقة
كسته الملوك ذراتاجها
تحلّ [ 2 ] الوفود بأبوابه
فتلقى الغنى قبل إرتاجها
بقرّاع أبواب دور الملو
ك عند التحية ولَّاجها
/ إلى دار ذي حسب ماجد
حمول المغارم فرّاجها
ركود [ 3 ] الجفان غداة الصّبا
ويوم الشّمال وإرهاجها [ 4 ]
وقفت بمدحيه عند الجما [ 5 ]
ر أنشده بين حجّاجها
دس المنصور إليه من يسمع منه مدحه لعبد الواحد ففطن لذلك وأنشده من شعره في المنصور وأخذ جائزته :
أخبرني محمد بن جعفر النحويّ صهر المبرّد قال حدّثني أبو إسحاق طلحة بن عبد اللَّه الطلحيّ قال حدّثني محمد بن سليمان [ 6 ] بن المنصور قال :
وجّه المنصور رسولا قاصدا إلى ابن هرمة ودفع إليه ألف دينار وخلعة ، ووصفه له وقال : امض إليه ؛ فإنك تراه جالسا في موضع كذا من المسجد ، فانتسب له إلى بني أمية أو مواليهم ، وسله أن ينشدك قصيدته الحائية التي يقول فيها يمدح عبد الواحد بن سليمان :
وجدنا غالبا كانت جناحا
وكان أبوك قادمة الجناح
فإذا أنشدكها فأخرجه من المسجد واضرب عنقه وجئني برأسه ؛ وإن أنشدك قصيدته اللامية التي يمدحني بها فادفع إليه الألف الدينار والخلعة ، وما أراه ينشدك غيرها ولا يعترف بالحائية . قال : فأتاه الرسول فوجده كما قال المنصور ، فجلس إليه واستنشده قصيدته في عبد الواحد ؛ فقال : ما قلت هذه القصيدة قطَّ ولا أعرفها وإنما نحلها إياي / من يعاديني ، ولكن إن شئت أنشدتك أحسن منها ؛ قال : قد شئت فهات ؛ فأنشده :
سرى ثوبه عنك الصّبا المتخايل
حتى أتى على آخرها ؛ ثم قال له : هات ما أمرك أمير المؤمنين بدفعه إليّ ؛ فقال : أيّ شيء تقول يا هذا وأيّ
هامش
[ 1 ] القتود : جمع قتد وهو خشب الرحل . والخاضب : ذكر النعام . وزفوف : حسن المشي سريعه . والهدّاج : الذي في مشيه أو عدوه أو سعيه ارتعاش .
[ 2 ] في س : « تحلى » وهو تحريف .
[ 3 ] الركود من الجفاف : الثقيل المملوء .
[ 4 ] الإرهاج : الإمطار .
[ 5 ] الجمار : اسم موضع بمنى وهو موضع الجمرات الثلاث .
[ 6 ] في ح : « محمد بن سليمان المنصور » .