كريم النّثا [ 1 ] حلو الشمائل بينه
وبين المزجّى نفنف متباعد [ 2 ]
إذا نازع القوم الأحاديث لم يكن
عيّيا ولا ثقلا على من يقاعد
صبور على العلَّات يصبح بطنه
خميصا وآتيه على الزاد حامد
وضعنا الفتى كلّ الفتى في حفيرة
بحرّين [ 3 ] قد راحت عليه العوائد
صريعا كنصل السيف تضرب حوله
ترائبهنّ المعولات الفواقد [ 4 ]
قال : فبكى أبو جعفر حتى أخضل لحيته ، ثم قال : هكذا كان أخي أبو العباس رضي اللَّه عنه .
ذكره ابن إياس لابن الكردية فطلبه واستنشده فأنشده شعرا أغضبه فضربه :
أخبرني الحسين [ 5 ] بن يحيى المرداسيّ قال حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال :
كان جعفر بن أبي جعفر المنصور المعروف بابن الكرديّة يستخفّ مطيع بن إياس ويحبه ، وكان منقطعا إليه وله معه منزلة حسنة ، فذكر له حمادا الراوية ، / وكان صديقه ، وكان مطَّرحا مجفوّا في أيامهم ، فقال : ائتنا به لنراه .
فأتى مطيع حمّادا فأخبره بذلك وأمره بالمسير معه إليه ؛ فقال له حماد : دعني فإن دولتي كانت مع بني أمية ومالي عند هؤلاء خير ، فأبى مطيع إلَّا الذهاب إليه ، فاستعار حماد سوادا وسيفا ثم أتاه ، ثم مضى به مطيع إلى جعفر . فلما دخل عليه سلَّم عليه سلاما حسنا وأثنى عليه وذكر فضله ؛ فردّ عليه وأمره بالجلوس فجلس . فقال جعفر : أنشدني ؛ فقال : لمن أيها الأمير ؟ الشاعر بعينه أم لمن حضر ؟ قال : بل أنشدني لجرير . قال حمّاد : فسلخ واللَّه شعر جرير كلَّه من قلبي إلا قوله :
بان الخليط برامتين [ 6 ] فودّعوا
أو كلَّما اعتزموا [ 7 ] لبين تجزع
فاندفعت فأنشدته إياه ، حتى انتهيت إلى قوله :
وتقول بوزع قد دببت على العصا
هلَّا هزئت بغيرنا يا بوزع
قال حماد : فقال لي جعفر : أعد هذا البيت ، فأعدته ؛ فقال : بوزع ، أيّ شيء هو ؟ فقلت : اسم امرأة ؛ فقال :
امرأة اسمها بوزع ! هو بريء من اللَّه ورسوله ونفيّ من العباس بن عبد المطلب إن كانت بوزع إلا غولا من الغيلان ! تركتني واللَّه يا هذا لا أنام الليلة من فزع بوزع ؛ / يا غلمان ! قفاه ؛ فصفعت واللَّه حتى لم أدر أين أنا ؛ ثم قال : جرّوا
هامش
[ 1 ] النثا ( بالتحريك والقصر ) : ما أخبرت به عن الرجل من حسن أو سئ . وفي الأصول : « الثنا » .
[ 2 ] المزجى : الضعيف . وسمى مزجى لتأخره وحاجتهم إلى تزجيته واستحثاثه فيما يعن . والنفنف : المهواة بين الجبلين .
[ 3 ] كذا في ب ، س . وحرين ( بالضم ثم الكسر والتشديد وآخره نون ) : بلد قرب آمد . وفي سائر الأصول : « بجوءين » ولم نجد بلدا بهذا الاسم في المظان التي بين أيدينا .
[ 4 ] الترائب : عظام الصدر ، واحدها تريبة . والفواقد : من فقدن أزواجهن أو أولادهن .
[ 5 ] في جميع الأصول هنا : « الحسين » ويلاحظ أن هذا الاسم ورد مضطربا فيما مر من الكتاب بين : « الحسن » و « الحسين » ولم نوفق إلى مرجع نرجح به إحدى الروايتين .
[ 6 ] رامتين : تثنية رامة ، وكثير من أسماء المواضع يأتي في الشعر مفردا ومثنى ومجموعا فحسب الضرورة الشعرية . ورامة : منزل بينه وبين الرمادة ليلة في طريق البصرة إلى مكة ومنه إلى إمرة . وهي آخر بلاد بني تميم ، وبين رامة وبين البصرة اثنتا عشرة مرحلة ، وقيل هي هضبة أو جبل لبني دارم .
[ 7 ] في « النقائض » ( ص 961 طبع أوروبا ) : « رفعوا » . ورفع القوم : أصعدوا في البلاد .