وثب الشيخ إلى نعله فعلَّقها في أذنه وجثا على ركبتيه وأخذ بطرف أذنه والنّعل فيها وجعل يقول : أهدوني [ 1 ] أنا بدنة ، أهدوني أنا بدنة . ثم أقبل عليهم فقال : كم قيل لكم إنها تساوي ؟ قالوا : ستمائة دينار . قال : هي وحقّ القبر خير من ستة آلاف دينار ، وو اللَّه لا يملكها عليّ أحد أبدا ، فانصرفوا إذا شئتم .
كان ابن جريج في حلقة يحدث فمرّ به ابن تيزن فسأله أن يغنيه بغناء ابن سريج :
أخبرنا وسواسة بن الموصليّ - وهو أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم الموصليّ - قال حدّثني حماد بن إسحاق قال :
وجدت في كتب أبي عن عثمان بن حفص الثّقفيّ عن ابن عمّ لعمارة بن حمزة قال حدّثني سليم [ 2 ] الحساب عن داود المكيّ قال :
كنّا في حلقة ابن جريج وهو يحدّثنا وعنده ابن المبارك وجماعة من العراقيّين ، إذ مرّ به ابن تيزن - قال حمّاد :
ويقال ابن بيرن - وقد ائتزر بمئزرة على صدره ، وهي إزرة الشّطَّار [ 3 ] عندنا . فدعاه ابن جريج ؛ فقال له : إني مستعجل ، وقد وعدت أصحابا لي فلا أقدر أن أحتبس عنهم . فأقسم عليه حتى أتاه ، فجلس وقال له : ما تريد ؟
قال : أحبّ أن تسمعني . قال : أنا أجيئك إلى المنزل ، فلم تجلسني مع هؤلاء الثقلاء ! . قال : أسألك أن تفعل ؛ قال : امرأته طالق إن غنّاك فوق ثلاثة أصوات . قال : ويحك ! ما أعجلك باليمين ؟ ! قال : أكره أن أحتبس عن أصحابي . فالتفت ابن جريج إلى أصحابه فقال : اعقلوا رحمكم اللَّه . ثم قال له : غنّني الصوت / الذي أخبرتني أنّ ابن سريج غنّاه في اليوم الثالث [ 4 ] من أيام منى على جمرة العقبة فقطع الطريق على الذاهب والجائي حتى تكسّرت المحامل . فغنّاه :
عوجي عليّ فسلَّمي جبر
فقال ابن جريج : أحسنت واللَّه ! - ثلاث مرّات - ويحك أعده . قال : أمن الثلاثة ؟ فإني قد حلفت . قال : أعده فأعاده ؛ فقال : أحسنت ! أعده من الثلاثة ؛ فأعاده وقام فمضى . فقال ابن جريج لأصحابه : لعلكم أنكرتم ما فعلت ! قالوا : إنا لننكره بالعراق . قال : فما تقولون في الرّجز ؟ ( يعني الحداء ) قالوا : لا بأس به . قال : فما الفرق بينهما ! .
أحسن الناس حلوقا في الغناء :
وذكر هارون بن محمد بن عبد الملك عن أبي أيوب المدينيّ قال :
ثلاثة من المغنّين كانوا أحسن الناس حلوقا : ابن تيزن ، وابن عائشة ، وابن أبي الكنّات .
هامش
[ 1 ] الإهداء : سوق الحيوان إبلا أو بقرا أو شاء إلى البيت الحرام هديا .
[ 2 ] في ب ، س : « سليمان » .
[ 3 ] كان هذا الاسم يطلق في الدولة العباسية على أهل البطالة والفساد .
[ 4 ] في أ ، ح ، ء ، م : « الثاني » .