بحقّكم نالوا ذراها فأصبحوا
يرون به عزّا عليكم ومفخرا
قال : فعاد الحسن بن زيد له إلى ما كان عليه ، ولم يزل يصله ويحسن إليه حتى مات . قال أبو يحيى : يعني بقوله : « وإن كان معذرا » أن جعفرا أعطاه بأبياته الثلاثة ألف دينار ، فذكر أن له عذرا في مدحه إياه بجزالة إعطائه .
إعجاب أبي السائب المخزومي بشعر له :
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الواقديّ عن ابن أبي الزّناد قال :
كنت ليلة عند الحسن بن زيد ببطحاء ابن أزهر ( على ستة أميال من المدينة ، حيال ذي الحليفة ) نصف الليل جلوسا في القمر ، وأبو السائب المخزوميّ معنا ، وكان ذا فضل وكان مشغوفا بالسّماع والغزل ، وبين أيدينا طبق عليه فريك [ 1 ] فنحن نصيب منه ، والحسن يومئذ عامل المنصور على المدينة ؛ فأنشد الحسن قول داود بن سلم وجعل يمدّ به صوته ويطرّبه :
صوت
فعرّسنا ببطن عريتنات [ 2 ]
ليجمعنا وفاطمة المسير
أتنسى إذ تعرّض وهو باد
مقلَّدها كما برق الصّبير [ 3 ]
ومن يطع الهوى يعرف هواه
وقد ينبيك بالأمر الخبير
/ على أني زفرت غداة هرشى [ 4 ]
فكاد يريبهم منّي الزّفير
- الغناء للغريض ثاني ثقيل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق . وفيه للهذليّ ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو بن بانة ، وأظنّه هذا اللحن - قال : فأخذ أبو السائب الطبق ! فوحّش [ 5 ] به إلى السماء ، فوقع الفريك على رأس الحسن بن زيد ؛ / فقال له : مالك ؟ ويحك ! أجننت ! فقال له أبو السائب : أسألك باللَّه وبقرابتك من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلَّا ما أعدت إنشاد هذا الصوت ومددته كما فعلت ! قال : فما ملك الحسن نفسه ضحكا ، وردّ الحسن الأبيات لاستحلافه إياه . قال ابن أبي الزّناد : فلما خرج أبو السائب قال لي : يا بن أبي الزّناد ، أما سمعت مدّه :
ومن يطع الهوى يعرف هواه
فقلت نعم ؛ قال : لو علمت أنه يقبل مالي لدفعته إليه بهذه الثلاثة الأبيات . أخبرني بخبره عبيد اللَّه بن محمد الرازيّ وعمّي قالا حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائني عن أبي بكر الهذليّ .
هامش
[ 1 ] الفريك : طعام يفرك ويلت بسمن وغيره .
[ 2 ] عرس القرم : نزلوا في السفر في آخر الليل للاستراحة ثم يرتحلون . وعريتنات : اسم واد . وقال أبو عبيدة : عريتنات ماء بعدنة .
( راجع « معجم البلدان » و « القاموس » وشرحه مادة عرتن ) .
[ 3 ] الصبير : السحاب الأبيض لا يكاد يمطر .
[ 4 ] هرشى ( وزان سكرى ) : ثنية قرب الجحفة في طريق مكة يرى منها البحر ، ولها طريقان يفضيان بمن سلكهما إلى موضع واحد ، ولذلك قال الشاعر :خذا أنف هرشى أو قفاها فإنما
كلا جانبي هرشى لهن طريق[ 5 ] وحش : رمى .