تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
أجل الاحتفاظ بهذا الحضور القوي، لا بد أن يخفي إيمانه، وإلا فإنه سيكون على خط المواجهة الصريحة معهم، وسيفقد قوة تأثيره فيهم! إننا نلاحظ أن كفار قريش كانوا يتعاملون معه في بداية الأمر على أساس أنه محل شكواهم، وأنهم ينتظرون منه أن يمنع ابن أخيه من (الاعتداء على آلهتهم ونظامهم الاجتماعي) ويطلبون منه الحل. ولذلك عندما بعث النبي جاؤوا الى أبي طالب وقالوا: إن ابن اخيك سفه أحلامنا وعاب آلهتنا[112] فمُرهُ ليكف عن آلهتنا! بل جاؤوا ليعقدوا معه اتفاقية تبادل!! تنص على إعطائه إياهم النبي ليقتلوه مقابل إعطائهم إياه عمارة بن الوليد يكون مكانه! فقال أبو طالب: عجبٌ! آخذ ابنكم حتى أغذوه لكم وأعطيكم ابني حتى تقتلوه![113] وفشلت محاولات كفار قريش كلها في الحد من دعوة النبي والوقوف في وجهه ما دام أبو طالب حياً، «ولما مات أبو طالب نالت قريش منه من الأذى ما لم تكن تطمع فيه في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه تراباً، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله بيته والتراب على رأسه؛ فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وتبكي ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لها: «يا بنية لا تبكي فإن الله مانع أباك، ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب».[114] تعهد بالدفاع والحماية من البداية لقد كان واقعياً توسمُ وفراسة عبد المطلب بشأن ابنه أبي طالب عندما أوصاه بالاهتمام والرعاية لابن أخيه النبي محمد وقد لا يكون ذلك فقط لأجل كون عبد الله وأبي طالب شقيقين ومن أم واحدة، فهذا لا يكفي إذا لم تكن الشخصية مسؤولة وشجاعة جادة! وكان يمثل هذه الشخصية أبا طالب بين أبناء عبد المطلب الباقين بأفضل أنحائها، ولذا يعتقد أن عبد المطلب أوصاه بالنبي محمد، وبالفعل فإنه بالإضافة إلى موقفه في كفالة النبي طوال فترة طفولته وصباه وشبابه، واصل حمايته ورعايته بعدما بعث
هامش
112 ) في الكافي 2/649 عن أبي جعفر عليه السلام قال: أقبل أبو جهل بن هشام ومعه قوم من قريش فدخلوا على أبي طالب فقالوا: إنّ ابن أخيك قد آذانا وآذى آلهتنا فادعه ومره فليكفّ عن آلهتنا ونكفّ عن إلهه، قال: فبعث أبو طالب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله فدعاه، فلما دخل النبيّ صلى اللّه عليه وآله لم ير في البيت إلّا مشركا فقال: السَّلٰامُ عَلىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدىٰ ثمّ، جلس فخبّره أبو طالب بما جاءوا له فقال: أوَ هل لهم في كلمة خير لهم من هذا يسودون بها العرب ويطئون أعناقهم؟ فقال أبو جهل: نعم وما هذه الكلمة؟ فقال: تقولون: لا إله إلا اللّه، قال: فوضعوا أصابعهم في آذانهم وخرجوا هرابا وهم يقولون: ما سمعنا بهذا في الملّة الآخرة إن هذا إلّا اختلاق فأنزل اللّه تعالى في قولهم: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ- إلى قوله- إِلَّا اخْتِلٰاقٌ. 113 ) ابن سعد؛ محمد: الطبقات الكبرى 1/202؛ « فمشوا إلى أبي طالب حتى دخلوا عليه فقالوا أنت سيدنا وأفضلنا في أنفسنا وقد رأيت هذا الذي فعل هؤلاء السفهاء مع بن أخيك من تركهم آلهتنا وطعنهم علينا وتسفيههم أحلامنا وجاؤوا بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا قد جئناك بفتى قريش جمالا ونسبا ونهادة وشعرا ندفعه إليك فيكون لك نصره وميراثه وتدفع إلينا ابن أخيك فنقتله فإن ذلك أجمع للعشيرة وأفضل في عواقب الأمور مغبة قال أبو طالب والله ما أنصفتموني تعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابن أخي تقتلونه ما هذا بالنصف تسومونني سوم العزيز الذليل!! 114 ) الأميني؛ عبد الحسين؛ إيمان أبي طالب وسيرته 1/64.
إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب — صفحة 52 | فوزي آل سيف