بالرسالة، بينما لم يفعل ذلك مثلاً عمه العباس! مع إمكاناته المالية الضخمة، وهذا راجع إلى ما ذكرنا من الصفات الشخصية لأبي طالب، بل لأبنائه من بعده، فقد نقل أرباب السير أن النبي صلى الله عليه وآله لما أراد أن يبدأ دعوته جاء إلى العباس عمه طالباً منه نصرته ومعونته في هذه الدعوة.
فقال له: «إن الله قد أمرني بإظهار أمري وقد أنبأني واستنبأني فما عندك؟ فقال له العباس: يا بن أخي تعلم أن قريشاً أشد الناس حسداً لولد أبيك، وإن كانت هذه الخصلة، كانت الطامة الطماء والداهية العظيمة، ورمينا عن قوس واحد وانتسفونا نسفاً صلتاً، ولكن قرّب إلى عمك أبي طالب فإنه أكبر أعمامك، إن لا ينصرك لا يخذلك ولا يسلمك.
فأتياه فلما رآهما أبوطالب قال: إنّ لكما لظنة وخبراً، ما جاء بكما في هذا الوقت؟ فعرفه العباس ما قال له النبي وما أجابه به العباس، فنظر إليه أبوطالب وقال له: اخرجْ ابنَ أخي فإنك الرفيع كعباً، والمنيع حزباً، والاعلى أباً، والله لا يسلقك لسان إلا سلقته ألسن حداد، واجتذبته سيوف حداد، والله لتذلن لك العرب ذل البُهم لحاضنها، ولقد كان أبي يقرأ الكتاب جميعا، ولقد قال: إن من صلبي لنبياً لوددت أني أدركت ذلك الزمان فآمنت به، فمن أدركه من ولدى فليؤمن به».[115]
ولسان حاله:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم
حتى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة
وأبشر بذاك، وقر منك عيونا
ودعوتني، وزعمت أنك ناصحي
ولقد صدقت، وكنت قبل أمينا
وعرضت دينا لا محالة إنه
من خير أديان البرية دينا
كانت نتيجة حماية أبي طالب للنبي صلى الله عليه وآله، ودفاعه عنه بشكل دائم أمام قريش وتوجيهه الرسائل الواضحة للقرشيين بأنهم لو مسّوا النبي بالأذى فسيكون ذلك نهاية من يمسه بالأذى، ولقد صدق في مقالته: لا يسلقك لسان إلا سلقته ألسن حداد، واجتذبته سيوف حداد بالعمل.
ففي ذات مرة قال جمع من قريش: أيمرّ بنا ابن أبي كبشة ولا يسلّم علينا، فأيّكم يأتيه فيفسد عليه صلاته؟ فقال عبد الله بن الزبعرى السهمي: أنا أفعل. فأخذ الفرث والدم فانتهى به إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وهو ساجد فملأ به ثيابه ورأسه ولحيته، فانصرف النبيّ صلى الله عليه وآله حتّى أتى عمّه أبا طالب، فقال له: يا عمّ من أنا؟ فقال: ولِمَ يا بن أخي؟ فقصّ عليه القصّة. فقال: وأين تركتهم؟ فقال: بالأبطح. فنادى في قومه يا آل عبد المطّلب، يا آل هاشم، يا آل عبد مناف. فأقبلوا إليه من كلّ
هامش
115 ) المجلسي؛ محمد باقر: بحار الأنوار 35/142.