والسائرين على ما تبقى من شريعة إبراهيم الخليل).
فلو نظرنا إلى ذلك الوضع، من امرأة مالكة لأمرها، وثرية جداً، والجو يساعد على الانحراف، ومع ذلك تأتي في ذلك الوضع وتعرف بلقب الطاهرة.. هذا أمر ينبغي التفكير فيه جدياً.
* شاءت إرادة الله أن تكون هذه المرأة الطاهرة، منجبة لأولاد الرسول، كما أشار إليه الرسول في بعض أحاديثه أنه رزقني الله الولد منها وحرمني من غيرها، مع ملاحظة وجود ثمان نساء أخريات له، فيهن الثيبات والأبكار، ومنهن من أنجب قبل زواجها من رسول الله، أي لم تكن عقيمات، وفيهن من بلغن الدرجات العاليات من الإيمان والخلق، وقد بقين معه فترة طويلة يمكن معها الإنجاب، وكان الرسول يقوم بواجب كل واحدة الزوجي. ولكن هذه خصيصة خديجة وميزتها، والنعمة التي حباها الله بها دون غيرها، أن يكون أبناء رسول الله وذريته منذ ذلك الوقت إلى يوم القيامة، جدتهن الكبرى خديجة.
ما هو سبب ذلك؟
ينبغي أن نفكر في مقالة النبي (حين كذبني الناس، حين حرمني).. مسألة التوقيت والـ (حين) لها أهمية عالية، وله الأثر الأكبر بحيث لو تقدم أو تأخر ربما لم يكن نافعاً أصلاً، أو لم يكن نافعاً النفع الأكبر، فلو أن شخصاً كان عطشاناً عطشاً يودي به إلى الموت، فهناك لحظة ينفعه وصول الماء حينها، أما لو تأخر هذا الماء عن الحين والوقت المناسب ووصل بعد يوم مثلاً، لما كان نافعاً أصلاً.
عندما يأتي للنصرة أحد ولكن بعد كثرة الناس، فهذا وإن كان نافعاً إلا أنه ليس كما تكون النصرة حين القلة والضعف، وخصوصاً أنه في هذا الوقت يكون التراجع وعدم تحمل المسؤولية..
لماذا نجد أن يوم الدار يعتبر فضيلة ومنقبة لأمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام؟ إن ذلك بالنظر إلى الظرف والوقت الذي كان فيه رسول الله، فإنه كان يعيش في مجتمع مكذب، وفي عائلة معارضة لدعوته، ومع أعمام جاحدين - إلا القليل منهم - هنا كان موقف النصرة والاستجابة يعدل مئات المواقف عندما تتغير الظروف.
وهذا يختلف عن مجيء النصرة في فتح مكة عندما جاء بعشرة آلاف مقاتل وذلك أنه (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا)[54].
إن خديجة في ذلك الحين الذي بدأ فيه الدعوة وقد كانت كل المؤشرات في غير صالح الرسول، قامت هي باختيار الرسول زوجاً قبل هذا الحين بفترة كافية (نؤكد على أنها اختارت النبي) وذلك من كمال عقلها الذي أشير إليه في بعض الروايات أنه كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع: إحداهن خديجة بنت خويلد.
ثم تصب بين يديه كل أموالها في سبيل نصرة دعوته.. وتكون له درعاً حامياً.
وهنا نشير إلى قضية وهي: أن أصحاب الدعوات يحتاجون إلى أمرين: حماية خارجية، وسكن نفسي ومن دون هذين العنصرين ستتعقد أمورهم.
هامش
54 ) الحديد: من الآية10