وإذا كان هناك قول بأنها تزوجت وهي في سن الخامسة والعشرين، فهذا يلازم استبعاد القول بزواجها من شخصين قبل رسول الله صلى الله عليه وآله، ولو قلنا كما هو الراجح بأنها تزوجت في سن الثامنة والعشرين فبالنسبة لأمثالها لا يكون ذلك مستغرباً، إذا نظرنا إلى صفاتها (الجمالية والمالية والنفسية) فلن تقبل بأي شخص، ولن تركض وراء كل بارقة زوج، وإنما مثلها يتعين عليه أن يختار لنفسه، فلن تتزوج من يكون طامعاً في ثروتها ويأتي لها لأجل أموالها، ولا هي في صدد الارتباط بشخص شهواني لا يقف أمام شهواته ونزواته وإنما شأنها - وهي كاملة العقل - أن لا تُرِقّ نفسها إلا لمن يستحقها، ولذلك فقد بحثت عن طريق للارتباط برسول الله محمد صلى الله عليه وآله، قبل بعثته، فإنه قد دارت في تلك الفترة أخبار عن النبي المبعوث في مكة بشكل كبير، وصار حديث المجالس وتبشير الأحبار في الحديث عن أخلاقه وصدقه وأمانته، فقد ذكر المحدثون أن نسوة من قريش كن جالسات في فناء البيت الحرام، وكانت معهن خديجة، فمر بهن أحد الأحبار فقال: يا معشر النساء يوشك أن يبعث نبي في مكة، فمن استطاعت أن تكون زوجته منكن فلتفعل! وبينما تضاحكت باقي النساء أخذت خديجة الأمر على جديته، حيث لامس ما كانت تفكر فيه. وتعلق قلبها به وطفح على لسانها ذكره، ولعمري فإن من كمال العقل أن تختار المرأة من تريده زوجاً لها وتسعى في الوصلة إليه، لا سيما وهي ستسلمه قياد حياتها وزمام أمرها.
تزامن هذا مع ما قيل من أن أبا طالب كان قد تشاور معه ابن أخيه محمد صلى الله عليه وآله، في أمر التجارة والكسب والمعاش، فذكر أمر خديجة وثروتها وأنها تستقبل من يعمل معها في التجارة على طريقة المضاربة، حيث يكون المال منها والعمل من المشارك (وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه ومقدماته) فكان [28] أن تم الاتفاق على أن يخرج النبي محمد صلى الله عليه وآله إلى الشام بتجارة لها، ويكون الربح بينهما، وجعلت تحت يده مدبر أموالها ميسرة وتحت أمره العاملون في تلك التجارة.
ولما رجع النبي من رحلته التجارية الشامية وقد ربح ربحا جيداً، لم يكن هَمُّ خديجة في ربح المال بقدر ما كان يهمها معرفة أحوال النبي من خلال ميسرة غلامها الذي شرح لها ما كانت تنتظره وتستطيبه من ذكر صفاته وأخلاق معاشرته مع الناس، وإدارة أمور التجارة، وأضاف إليها ما رأى من الكرامات والفضائل التي خصه الله بها من تظليله بالغمام في حر الشمس، وغير ذلك..
عندها خطت الخطوة الثانية وهي أن (تخطب) النبي محمداً لنفسها!! بلى رغبتها فيه واشتياقها إلى الاقتران به جعلها تفعل ذلك، وصوبت حكمتها وكمال عقلها هذا الأمر فلا ينبغي أن تترك هذه الفرصة، الاقتران بسيد الخلائق والنبي الذي بشر به المرسلون السابقون، تترك ذلك لأجل بعض الأعراف الاجتماعية الخاطئة التي قد تبيح للمرأة الخاطئة أن تنشئ علاقة غير مشروعة مع رجل وتتغاضى عن ذلك، بينما ترفض أن تنشئ امرأة مقدمات الزواج المحلل مع رجل كسيد الخلق!!
ولأجل هذا فقد ذكرت الأمر لامرأة كانت تدخل عليها وتختصها وهي نفيسة بنت منية، ولنتركها تتحدث عن هذه المهمة، قالت: " كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي امرأة حازمة جلدة شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير وهي يومئذ أوسط قريش نسباً وأعظمهم شرفاً وأكثرهم مالاً، وكل قومها كان حريصاً على نكاحها لو قدر على ذلك، قد طلبوها وبذلوا لها الأموال.
هامش
28 ) ابن سعد؛ الطبقات الكبرى 8/ 12" أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ تَسْأَلُهُ الْخُرُوجَ إِلَى الشَّامِ فِي تِجَارَتِهَا مَعَ غُلامِهَا مَيْسَرَةَ وَقَالَتْ: أَنَا أُعْطِيكَ ضِعْفَ مَا أُعْطِي قَوْمَكَ".