إلى بيت الله الحرام إن كان مذهب موسى بن جعفر الخروج لا يذهب إليه ولا مذهب أحد من ولده، ولا ينبغي أن يكون هذا منهم.."[197]
وفي عهد هارون استقبل الإمام مرارا وكان يحاول أن يستثيره بكلام أو يستفزه من خلال موقف، يكون حجة له أمام الآخرين في التخلص منه، لكن الإمام عليه السلام وهو كاظم الغيظ المسيطر على مواقفه، والماضي في خطته الخاصة لم يكن ليعطي لهارون تلك الفرصة، فكان لا يقول كلاما منبعثا من الغيظ ولا يتخذ موقفا يمليه الغضب، بل ولا حتى يحتج للحق بما قد يكون تمهيدا لعدوه في قتله، ولعل المتأمل في الحوار الطويل بينه وبين هارون، يلاحظ تخلصه عليه السلام من كل خديعة أو احبولة كان ينسجها هارون بذكاء ومهارة، ففيما رواه الشيخ الصدوق في العيون والطبرسي في الاحتجاج مرفوعا إلى الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام)قال: لما أدخلت على الرشيد سلمت عليه فرد علي السلام ثم قال: يا موسى بن جعفر، خليفتان يجبى إليهما الخراج؟
فقلت: يا أمير المؤمنين! أعيذك بالله أن تبوء بإثمي وإثمك، وتقبل الباطل من أعدائنا علينا، فقد علمت بأنه قد كذب علينا منذ قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كما علم ذلك عندك، فإن رأيت بقرابتك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن تأذن لي أحدثك بحديث أخبرني به أبي عن آبائه عن جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟
فقال: قد أذنت لك.
فقلت: أخبرني أبي عن آبائه عن جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: إن الرحم إذا مست الرحم تحركت واضطربت، فناولني يدك جعلني الله فداك.
قال: ادن مني!
فدنوت منه، فأخذ بيدي ثم جذبني إلى نفسه وعانقني طويلا ثم تركني وقال: اجلس يا موسى! فليس عليك بأس، فنظرت إليه فإذا به قد دمعت عيناه، فرجعت إلى نفسي، فقال: صدقت وصدق جدك (صلى الله عليه وآله) لقد تحرك دمي واضطربت عروقي حتى غلبت عليَّ الرقة وفاضت عيناي، وأنا أريد أن أسألك عن أشياء تتلجلج في صدري منذ حين، لم أسأل عنها أحدا، فإن أنت أجبتني عنها خليت عنك ولم أقبل قول أحد فيك، وقد بلغني عنك أنك لم تكذب قط، فأصدقني فيما أسألك مما في قلبي.
فقلت: ما كان علمه عندي فإني مخبرك به إن أنت أمنتني.
قال: لك الأمان إن أصدقتني، وتركت التقية التي تعرفون بها معشر بني فاطمة.
فقلت: ليسأل أمير المؤمنين عما يشاء.
قال: أخبرني لم فضلتم علينا، ونحن وأنتم من شجرة واحدة، وبنو عبد المطلب ونحن وأنت واحد، إنا بنو العباس وأنتم ولد أبي طالب، وهما عما رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقرابتهما منه سواء؟
فقلت: نحن أقرب.
قال: وكيف ذلك؟
قلت: لأن عبد الله وأبا طالب لأب وأم، وأبوكم العباس ليس هو من أم عبد الله ولا من أم أبي طالب.
قال: فلم ادعيتم أنكم ورثتم النبي (صلى الله عليه وآله) والعم يحجب ابن العم، وقبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد توفي أبو طالب قبله والعباس عمه حي؟
فقلت له: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني عن هذه المسألة، ويسألني عن كل باب سواه يريده.
هامش
197 ) المجلسي: بحار الأنوار٤٨/ ١٥٣