تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كاظم الغيظ الامام موسى بن جعفر عليه السلام — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
نفس الوقت الذي أعلى فيه من منزلة العقل وادراكاته كما يظهر للمتأمل في وصية لهشام بن الحكم في موضوع العقل وسيأتي الاشارة إليها. أما في رفضه للقياسات والاستحسانات والتي نعتقد أن الخلفاء العباسيين بل والحاكمين بشكل عام يرجحونها ويدعمونها لأنها تقرب المساحة لهم، وتعطيهم ـ حتى هم ولم يكونوا متخصصين في فهم الدين والشريعة ـ مساحة واسعة للحركة في أمور التشريع! بحيث يصبح الخليفة ـ وهو إنما أهله للمنصب في الغالب نسبه لأبيه لا غيرـ بقدرة قادر متمكنا من أمور الشريعة ويحكم فيها بما ينبغي ولا ينبغي! ولأن هناك مصلحة للحاكمين في هذا فهم يحبون هذا المسلك والمنهج! في المقابل ولمواجهة هذا التسيب في فهم التشريعات، رفض الأئمة عليهم السلام ما سمته الأحاديث بالقياس وإصابة الدين بالعقول! وضمن هذا كانت محاورات الإمام موسى الكاظم عليه السلام مع فقهاء المذهب الحنفي الذين قربتهم السلطة العباسية بدءا من أيام المهدي العباسي وتصاعد هذا حتى بلغ ذروته أيام هارون الرشيد العباسي، فقد اجتمع مع أبي يوسف القاضي (توفي 181 هـ) وهو أحد تلامذة أبي حنيفة النعمان في محضر المهدي العباسي فقال: أبو يوسف للمهدي: تأذن لي أن أسأله عن مسائل ليس عنده فيها شيء؟ فقال له: نعم، فقال لموسى بن جعفر عليه السلام أسألك؟ قال: نعم، قال: ما تقول في التظليل للمحرم. قال: لا يصلح قال: فيضرب الخباء في الأرض ويدخل البيت؟ قال: نعم، قال: فما الفرق بين هذين؟ قال أبو الحسن عليه السلام: ما تقول في الطامث أتقضي الصلاة؟ قال: لا، قال: فتقضي الصوم؟ قال: نعم، قال: ولم؟ قال: هكذا جاء، قال أبو الحسن عليه السلام: وهكذا جاء هذا، فقال المهدي لأبي يوسف: ما أراك صنعت شيئا؟ قال: رماني بحجر دامغ.[132] ومثله صنع مع محمد بن الحسن الشيباني (ت 189 هـ) وهو أيضا من تلامذة أبي حنيفة مع الإمام عليه السلام، فقد سأل محمد بن الحسن أبا الحسن موسى عليه السلام بمحضر من الرشيد وهم بمكة فقال: أيجوز للمحرم ان يظلل على محمله نفسه فقال له موسى: لا يجوز له ذلك مع الاختيار، فقال له محمد بن الحسن: أ فيجوز له ان يمشي تحت الظلال مختارا؟ فقال له: نعم، فتضاحك له محمد بن الحسن من ذلك فقال له أبو الحسن موسى عليه السلام: أتعجب من سنة النبي صلّى اللّه عليه وآله وتستهزئ بها ان رسول اللّه كشف ظلاله في احرامه ومشى تحت الظلال وهو محرم، ان أحكام اللّه يا محمد لا تقاس، فمن قاس بعضها ببعض فقد ضل عن السبيل، فسكت محمد بن الحسن لا يرجع جوابا! [133] وهذا النقد الواضح لتوجه القياس وتحكيم ظاهر العقل وبادئ الرأي في أحكام الله التعبدية، كان خطًّا مستمرا بين الأئمة المعصومين ولكنه كان يتخذ زخمًا قويا في الأوقات التي كان يتعاظم فيها ذلك التوجه ويحصل على دعم رسمي من السلطان، فكان لا بد للأئمة المعاصرين له أن يتخذوا هذه المواقف! وكان زمان الإمامين الصادق وابنه الكاظم من تلك الازمنة التي نشط فيها هذا التوجه وساعده في ذلك قبول السلطة العباسية وخلفائها آنئذ. ولكيلا يصب هذا النقد في مصلحة القشريين من أهل الحديث الذين سيدعمهم المتوكل العباسي بكل قوته فيما بعد فقد أعلى الأئمة شأن العقل وأكدوا على استعماله، والمجالات التي ينبغي أن يكون فيها وتلك التي لا يكون وهو ما سيأتي الحديث عنه عند الحديث عن وصية الإمام الكاظم لهشام بن الحكم في صفحات قادمة.
هامش
132 ) عطاردي، مسند الإمام الكاظم 2/ ١٦١ عن عيون الأخبار: 1 / 78 133 المصدر نفسه ١٦١ عن كشف الغمة 2/230