قال حكم الوادي : دخلت يوما على يحيى بن خالد . فقال لي : يا أبا يحيى ، ما رأيك في خمسمائة دينار قد حضرت ؟ قلت : ومن لي بها ؟ قال : تلقي لحنك في :
ذكرتك أن فاض الفرات بأرضنا
/ على دنانير فها هي ذه ، وهذا سلام واقف معك ومخرجها إليك ، وأنا راكب إلى أمير المؤمنين ، ولست أنصرف من مجلس المظالم إلى وقت الظهر ، فكدّها فيه ، فإذا أحكمته فلك خمسمائة ؛ فقالت دنانير : يا سيّدي ، أبو يحيى يأخذ خمسمائة دينار وينصرف وأنا أبقى معك أقاسيك عمري كلَّه ! فقال لها : إن حفظتيه فلك ألف / دينار ، وقام فمضى ؛ فقلت لها : يا سيّدتي اشغلي نفسك بذا ، فإنك أنت تهبين لي الخمسمائة الدينار بحفظك إيّاه وتفوزين بالألف الدينار ، وإلا بطل هذا ، فلم أزل معها أكدّها ونفسي وتغنّيني حتى انصرف يحيى ، فدعا بماء وطست ، ثم قال : يا أبا يحيى ، غنّ الصوت كما كنت تغنّيه - فقلت : هلكت ! يسمعه منّي ، وليس هو بمن يخفى عليه ، ثم يسمعه منها فلا يرضاه - فلم أجد بدّا من الغناء ؛ ثم قال : غنّيه أنت الآن ؛ فغنّت ؛ فقال : واللَّه ما أرى إلا خيرا ؛ فقلت : جعلت فداءك ! أنا أمضغ هذا منذ أكثر من خمسين سنة كما أمضغ الخبز ، وهذه أخذته الساعة وهو يذلّ لها بعدي وتجترىء عليه ويزداد [ 1 ] حسنا في صوتها ؛ فقال : صدقت ، هات يا سلام خمسمائة دينار ولها ألف دينار ، ففعل ؛ فقالت له : وحياتك يا سيّدي لأشاطرنّ أستاذي الألف الدينار ؛ قال : ذلك إليك ، ففعلت ؛ فانصرفت وقد أخذت بهذا الصوت ألف دينار .
رجع الحديث إلى عبيد اللَّه بن قيس الرقيات .
شعر ابن قيس الرقيات في كثيرة التي نزل بها بالكوفة :
قال الزبير بن بكار حدّثني عبد اللَّه بن النّضير عن أبيه :
أن ابن قيس الرقيّات قال في الكوفيّة التي نزل عليها :
بانت [ 2 ] لتحزننا كثيره
ولقد تكون لنا أميره
/ حلَّت فلاليج [ 3 ] السّوا
د وحلّ أهلي بالجزيره
قال : ولقد رحل من عندها وما يتعارفان .
قال : وقال فيها أيضا - وفيه لحن من خفيف الثقيل لابن المكيّ - :
صوت
لججت بحبّك أهل العراق
ولولا كثيرة لم تلجج
فليت كثيرة لم تلقني
كثيرة أخت بني الخزرج
هامش
[ 1 ] كذا في ط ، ء ، م . وفي باقي الأصول : « وتزداد » بالتاء .
[ 2 ] هذان البيتان من قصيدة عدد أبياتها خمسة وعشرون بيتا ، وهي مذكورة في ديوانه المخطوط بقلم المرحوم الشيخ الشنقيطي المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم 88 أدب ش وديوانه المطبوع بقينا ( ص 115 ) .
[ 3 ] فلاليج السواد : قراه ، واحدها فلوجة . والمراد بالسواد العراق ، سمي بذلك لسواده بالزروع والنخيل والأشجار .