صوت
بدير [ 1 ] القائم الأقصى
غزال شادن أحوى
برى حبّي له جسمي
ولا يعلم ما ألقى
وأكتم حبّه جهدي
ولا واللَّه ما يخفى
/ وركبت فلحقت بالمعسكر والرشيد قد جلس للشرب وطلبني فلم أوجد . وأخبرت بذلك ، / فغنّيت في الأبيات ودخلت إليه ؛ فقال لي : أين كنت ؟ ويحك ! فأخبرته بالخبر وغنّيته الصوت ؛ فطرب وشرب عليه حتى سكر ، وأخّر الرحيل في غد ، ومضينا إلى الدّير ونزله ، فرأى الشيخ واستنطقه ، ورأى الجارية التي كانت تخدمني بالأمس ؛ فدعا بطعام خفيف فأصاب منه ، ودعا بالشراب ، وأمر الجارية التي كانت بالأمس تخدمني أن تتولَّى خدمته وسقيه ففعلت ، وشرب حتى طابت نفسه ؛ ثم أمر للدّير بألف دينار ، وأمر باحتمال خراجه له سبع سنين ؛ فرحلنا .
قال حمّاد : فحدّثني أبي قال : فلما صرنا بتلّ عزاز من دابق [ 2 ] خرجت أنا وأصحاب لي نتنزّه في قرية من قراها ، فأقمنا بها أيّاما ، وطلبني الرشيد فلم يجدني . فلمّا رجعت أتيت الفضل بن الربيع ؛ فقال لي : أين كنت ؟
طلبك أمير المؤمنين ؛ فأخبرته بنزهتنا فغضب . وخفت من الرشيد أكثر مما لقيت من الفضل ؛ فقلت :
صوت
إنّ قلبي بالتّلّ تلّ عزاز
عند ظبي من الظَّباء الجوازي [ 3 ]
شادن يسكن الشآم وفيه
مع ظرف العراق شكل [ 4 ] الحجاز
يا لقومي لبنت قسّ أصابت
منك صفو الهوى وليست تجازي
حلفت بالمسيح أن تنجز الوع
د وليست تهمّ بالإنجاز
وغنّيت فيه ؛ ثم دخلت على الرشيد وهو مغضب ؛ فقال : أين كنت ؟ طلبتك فلم أجدك ؛ فاعتذرت إليه وأنشدته هذا الشعر وغنّيته إياه ؛ فتبسّم وقال : عذر وأبيك / وأيّ عذر ! وما زال يشرب عليه ويستعيدنيه ليلته جمعاء حتى انصرفنا مع طلوع الفجر . فلمّا وصلت إلى رحلي إذا برسول أمير المؤمنين قد أتانا يدعونا ؛ فوافيت فدخلت ، وإذا ابن جامع يتمرّغ على دكَّان في الدار وهو سكران يتململ ؛ فقال لي : يا بن الموصليّ ، أتدري ما جاء بنا ؟ فقلت :
لا واللَّه ما أدري ؛ فقال : لكنّي واللَّه أدري دراية صحيحة ، جاءت بنا نصرانيّتك الزانية ، عليك وعليها لعنة اللَّه . وخرج الآذن فأذن لنا ، فدخلنا . فلما رأيت الرشيد تبسّمت ؛ فقال لي : ما يضحكك ؟ فأخبرته بقول ابن جامع ؛ فقال :
صدق [ 5 ] ، ما هو إلا أن فقدتكم فاشتقت إلى ما كنّا فيه ، فعودوا بنا ، فعدنا فيه حتى انقضى مجلسنا وانصرفنا .
هامش
[ 1 ] دير القائم الأقصى : على شاطىء الفرات من جانبه الغربي في طريق الرقة . وذكر ياقوت في « معجمه » وابن فضل اللَّه العمري في « مسالك الأبصار » بعد تعريفهما لهذا الدير قالا : « قال أبو الفرج : وقد رأيته ، وهو مرقب من المراقب التي كانت بين الروم والفرس ، على أطراف الحدود » . وفيهما أن هذه الأبيات لعبد اللَّه بن مالك المغني ، وقال الخالدي : هي لإسحاق الموصليّ .
[ 2 ] دابق : قرية قرب حلب من أعمال عزاز ، بينها وبين حلب أربعة فراسخ .
[ 3 ] انظر الحاشية رقم 3 ص 373 من هذا الجزء .
[ 4 ] الشكل ( بالكسر والفتح ) : الدل .
[ 5 ] في الأصول : « ما صدق » . وظاهر أن « ما » مقحمة من الناسخ .