تشرّب قلبي حبّها ومشى به
تمشّي حميّا الكأس في جسم شارب
ودبّ هواها في عظامي فشفّها
كما دبّ في الملسوع سمّ العقارب
قال : ففطن بتعريضي ، وكانت جهالة منّي ؛ قال : فأمرني بالانصراف ، ولم يدعني شهرا ولا حضرت مجلسه ؛ فلما كان بعد شهر دسّ إليّ خادما معه رقعة ، فيها مكتوب :
قد تخوّفت أن أموت من الوج
د ولم يدر من هويت بما بي
/ يا كتابي فأقر السّلام على من
لا أسمّي وقل له يا كتابي
إنّ كفّا إليك قد بعثتني [ 1 ]
في شقاء مواصل وعذاب
فأتاني الخادم بالرقعة ؛ فقلت له : ما هذا ؟ قال : رقعة الجارية فلانة التي غنّتك بين يدي أمير المؤمنين ؛ فأحسنت القصّة فشتمت الخادم ووثبت عليه وضربته ضربا شفيت به نفسي وغيظي ، وركبت إلى الرشيد من فوري فأخبرته القصّة / وأعطيته الرقعة ؛ فضحك حتى كاد يستلقى ، ثم قال : على عمد فعلت ذلك بك لأمتحن مذهبك وطريقتك ، ثم دعا بالخادم ؛ فلما خرج رآني فقال لي : قطع اللَّه يديك ورجليك ، ويحك ! قتلتني ؛ فقلت : القتل واللَّه كان بعض حقّك لما وردت به عليّ ، ولكن رحمتك فأبقيت عليك ، [ وأخبرت أمير المؤمنين ليأتي في عقوبتك بما تستحقه . فأمر لي الرشيد بصلة سنيّة ] [ 2 ] ؛ واللَّه يعلم أني ما فعلت الذي فعلت عفافا ولكن خوفا .
سأله الرشيد كيف يصنع ألحانه فأجابه :
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني حمّاد بن إسحاق قال :
أخبرني أبي أنه سمع الرشيد وقد سأل جدّي إبراهيم كيف يصنع إذا أراد أن يصوغ الألحان ، فقال :
يا أمير المؤمنين ، أخرج الهمّ من فكري وأمثّل الطرب بين عينيّ ، فتسوغ [ 3 ] لي مسالك الألحان [ التي أريد ] [ 3 ] فأسلكها بدليل الإيقاع ، فأرجع مصيبا ظافرا بما أريد ؛ فقال : يحقّ لك يا إبراهيم أن تصيب وتظفر ، وإنّ حسن وصفك لمشاكل حسن صنعتك وغنائك .
فراسة يونس الكاتب فيه :
أخبرني ابن المرزبان قال حدّثني حمّاد عن أبيه عن جدّه قال :
أدركت يونس الكاتب وهو شيخ كبير فعرضت عليه غنائي ؛ فقال : إن عشت كنت مغنّي دهرك .
كان أحد من يتصرّفون في كل مذهب من الأغاني :
قال حمّاد قال لي محمد بن الحسن : كان لكلّ واحد من المغنّين مذهب في الخفيف والثقيل ، وكان معبد ينفرد بالثقيل ، وابن سريج بالرّمل ، وحكم بالهزج ، / ولم يكن في المغنّين أحد يتصرّف في كل مذهب من الأغاني إلا ابن سريج وإبراهيم جدّك وأبوك إسحاق .
هامش
[ 1 ] في ط ، ء و « مختار الأغاني » : « إن كفا إليكم كنيتني » .
[ 2 ] الزيادة عن ط ، ء . و « مختار الأغاني » .
[ 3 ] كذا في ط ، ء . وفي ح : « فيشرع » . وفي سائر الأصول : « فيسرع » .