خرج [ رسول ] [ 1 ] الرشيد ذات ليلة إلى المغنّين فقال : غنّوا :
يا خليليّ قد مللت ثوائي
بالمصلَّى وقد سئمت [ 2 ] البقيعا [ 3 ]
بلَّغاني [ 4 ] ديار هند وسعدى
وارجعاني فقد هويت الرجوعا
قال : فغنّاه ابن جامع ، فلمّا فرغ منه طرب الرشيد وشرب ؛ فقال له إبراهيم الموصليّ : يا سيّدي ، فاسمعه من نبيطيّك فغنّاه ، فجعل ابن جامع يزحف من أوّل البيت إلى آخره ، وطرب هارون فقال : ارفعوا الستارة ؛ فقال له ابن جامع : منّي واللَّه أخذه يا أمير المؤمنين ؛ فأقبل على إبراهيم فقال : بحياتي صدق ؟ قال : صدق وحياتك يا سيّدي ؛ قال : وكيف أخذته وهو أبخل [ 5 ] الناس إذا سئل شيئا ؟ قال : تركته يغنّيه وكان إذا سكر يسترسل فيه فيغنّيه مستويا ولا يتحرّز منّي ، فأخذته على هذا منه حتى وفيت [ 6 ] به .
كانت لزلزل جارية مطبوعة فلما مات عنها أخبر هو بها الرشيد فابتاعها وأعتقها :
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال :
كان برصوما الزّامر وزلزل الصارب من سواد أهل الكوفة من أهل الخشنة [ 7 ] والبذاذة والدناءة ، فقدم بهما أبي معه سنة حجّ ، ووقفهما على الغناء العربيّ وأراهما وجوه النّغم وثقّفهما حتى بلغا المبلغ الذي بلغاه من خدمة الخليفة ، وكان أطبع أهل دهرهما في صناعتهما ؛ فحدّثني أبي قال : كان لزلزل جارية قد ربّاها وعلَّمها الضرب وسألني مطارحتها [ فطارحتها ] [ 8 ] ، وكانت مطبوعة حاذقة ؛ قال : فكان يصونها أن يسمعها أحد ؛ فلما مات بلغني أنها تعرض في ميراثه للبيع ، فصرت إليها لأعترضها ؛ فغنّت :
أقفر من أوتاره العود
فالعود للأوتار معمود
وأوحش المزمار من صوته
فما له بعدك تغريد
/ من للمزامير وعيدانها
وعامر اللَّذات مفقود
الخمر تبكي في أباريقها
والقينة الخمصانة الرّود [ 9 ]
قال : وهذا شعر رثاه به صديق له كان بالرّقّة [ 10 ] ؛ قال : فأبكت واللَّه عيني وأوجعت قلبي . فدخلت على الرشيد
هامش
[ 1 ] التكملة عن ط ، ء ، إذ المعروف عن الخلفاء أنهم كانوا يجلسون وراء ستارة بينها وبين الندماء عشرون ذراعا ، وكان يوكل بهذه الستارة حاجب ينهي إلى المغنين ما يريده الخليفة . ( انظر « كتاب التاج » للجاحظ ص 37 طبع بولاق ) في كلامه على الرشيد وغيره من ملوك الإسلام والفرس ، وسيأتي في بقية الخبر ما يؤيد ذلك .
[ 2 ] في ط ، ء : « شنئت » .
[ 3 ] المصلي والبقيع : موضعان بالمدينة .
[ 4 ] في ط ، ء : « بلغا بي . . . وراجعا بي » .
[ 5 ] كذا في ط ، ء . وفي سائر الأصول : « قال : وكيف أخذته ؟ قال : هو أبخل الناس إذا سئل شيئا ، فتركته . . . إلخ » .
[ 6 ] يريد : جئت به وافيا تاما لم أنقص منه شيئا .
[ 7 ] كذا في أكثر الأصول . والخشنة ( بضم أوله وتسكين ثانيه ) : الخشونة ، ورجل ذو خشنة : صعب لا يطاق . والبذاذة : رثاثة الهيئة .
وفي أ : « الخسة » بالسين المهملة .
[ 8 ] زيادة عن ط ، ء .
[ 9 ] الرؤد ( وزان قفل وسهلت همزته ) : الشابة الناعمة الحسنة .
[ 10 ] كذا في ط ، ء . وفي باقي الأصول : « رثاه به صديق له كان يألفه فأبكت . . . إلخ » .