فإنك واطَّراحك وصل سعدى
لأخرى في مودّتها نكوب
قال : قلته ثم انقطع بي فيه ؛ فمرّت بي جويرية صفراء مليحة كنت أستحسنها أبدا وأكلَّمها إذا مرّت بي ، فمرّت اليوم فرأيتها وقد ورم وجهها وتغيّر خلقها ، [ عما أعرف ] [ 1 ] ، فسألتها عن خبرها فقالت : [ كان في بني فلان عرس أردت حضوره ] [ 1 ] فاستعار لي أهلي حليا وثقبوا أذني لألبسه فورم وجهي وأذناي كما ترى ، فردّوه ولم أشهد العرس ؛ قال ابن هرمة : فاطَّرد لي الشعر فقلت :
كثاقبة لحلي مستعار
بأذنيها فشأنهما الثقوب
فردّت حلَّي جارتها إليها
وقد بقيت بأذنيها ندوب
سرق إبراهيم بن المهدي شعره ولحنه وغنى به الرشيد :
أخبرني الحسين بن القاسم قال حدّثني العبّاس بن الفضل قال حدّثني أبي قال :
قال الرشيد لإبراهيم بن المهديّ وإبراهيم الموصليّ وابن جامع وابن أبي الكنّات : باكروني غدا ، وليكن كلّ واحد قد قال شعرا إن كان يقدر أن يقوله ، وغنّى فيه لحنا ، وإن لم يكن شاعرا غنّى في شعر غيره . قال إبراهيم بن المهديّ : فقمت في السّحر وجهدت أن أقدر على شيء أصنعه فلم يتّفق لي ، فلمّا خفت طلوع الفجر دعوت بغلماني وقلت لهم : إني أريد أن أمضي إلى موضع ولا يشعر بي أحد / حتى أصير إليه ، وكانوا [ 2 ] يبيتون على باب داري ، فقمت فركبت وقصدت دار إبراهيم الموصليّ ، وكان قد حدّثني أنه إذا أراد الصنعة لم ينم حتى يدبّر ما يحتاج إليه ، وإذا قام لحاجته في السّحر [ 3 ] اعتمد على خشبة له في المستراح ، فلم يزل يقرع عليها حتى يفرغ من الصوت ويرسخ في قلبه ، فجئت حتى وقفت تحت مستراحه ، فإذا هو يردّد هذا الصوت :
صوت
إذا سكبت في الكأس قبل مزاجها
ترى لونها في جلدة الكأس مذهبا
وإن مزجت راعت بلون تخاله
إذا ضمّنته الكأس في الكأس كوكبا
أبوها نجاء [ 4 ] المزن والكرم أمّها
فلم أر زوجا [ 5 ] منه أشهى وطيبا
فجاءتك [ 6 ] صفرا أشبهت غير جنسها
وما أشبهت في اللون أمّا ولا أبا
قال : فما زلت واقفا أستمع منه الصوت حتى أخذته ؛ ثم غدونا إلى الرشيد ، فلمّا جلسنا للشّرب خرج الخادم إليّ فقال : يقول لك أمير المؤمنين : يا بن أمّ غنّني ؛ فاندفعت فغنّيت هذا الصوت والموصليّ في الموت حتى فرغت
هامش
[ 1 ] الزيادة عن ط ، ء .
[ 2 ] كذا في ط ، ء . وفي سائر الأصول : « وكانوا في زبيديات لي يبيتون فيها على باب داري فقمت فركبت في إحداها وقصدت . . . » . ولم ندر ما الزبيديات التي كانوا يبيتون فيها ثم ركب هو إحداها . ولعلها ضرب من العجل ( العربات ) نسب إلى زبيدة زوج الرشيد .
[ 3 ] كذا في ط ، ء . وفي سائر الأصول : « في استحى » . والحش ( مثلث الحاء ) في الأصل : البستان ، وأطلق على موضع قضاء الحاجة والمتوضأ لأنهم كانوا يذهبون عند قضاء الحاجة إلى البساتين . والجمع : حشوش .
[ 4 ] النجاء : جمع النجو وهو السحاب الذي قد هراق ماءه ثم مضى ، وقيل : هو السحاب أوّل ما ينشأ .
[ 5 ] الزوج : النوع والصنف .
[ 6 ] كذا في ط ، ء : وفي سائر الأصول : « مخائل صفرا » وهو تحريف .