2/ إننا هنا نشير بإصبع الانتقاد إلى المؤرخين والمحدثين الذين ذكروا (وفاة) الإمام موسى بن جعفر عليه السلام هكذا على أنه قُبض أو مات، في سنة كذا أو في بغداد، فإن هذا يستبطن إخفاء أمرين: أنه كان مسجونا وقضى في السجن وأنه قُتل مسموما!
فهذا الطبري شيخ المؤرخين الذي كتب مشرِّقا ومغرّبا عن كل أحد لم يتسع تاريخه لذكر سجن الامام موسى بن جعفر وشهادته مسموما إلا بمقدار (وفيها مات موسى بْن جعفر بْن محمد ببغداد ).[91]ومثله وأنكى ابن كثير الدمشقي الذي استكثر على نفسه أن يذكر سجن الامام ولو عرضا، بينما ذكر فضائل سجانه المهدي فقال أطلق مسجونا من أقاربه[92]! نعم ذكر الاسم في موضع آخر، وكأنه لا يريد أن يفوتها فقد ساق الحديث بنحوٍ يشي للقارئ بأن سبب سجنه هو أنه أحفظ هارون وأغاظه فاستدعاه (هكذا) وسجنه وأطال سجنه، فأرسل إليه الإمام: يا أمير المؤمنين!! إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء[93] .. الخ. وأنت ترى عزيزي القارئ أن كلمة يا أمير المؤمنين هنا هي من إضافة هذا المؤرخ ذي التوجه الأموي، وإلا فإن نص الرسالة كما سننقلها في موضع آخر، هو سياق صارخ بالرفض والتحدي.
3/ إنه لا بد من التفريق بين مقام الشعر وما يشبهه وبين مقام التدقيق فإن الشعر قائم في العادة على المبالغة في تصوير المشهد حتى قيل إن أعذب الشعر أكذبه، وكلما كانت الصورة أعظم فيه كانت أدعى إلى قوة القصيدة، وما ينقل على المنابر أحيانا من بعض الخطباء ـ والكاتب منهم ـ من تمثل بالشعر واستشهاد به قد يكون في حالات كثيرة خاضعا لهذا الاتجاه، وربما لهذا السبب سيكون ما يأتي من الحديث فيه بعض الغرابة ومخالفا للذوق العام لمستمع المنبر.
وما سنقوله هو رأي وخلاصة تأمل، فليس آية منزلة ولا سنة محكمة، قد يوافق الصواب والواقع وقد يجانبه، لكنه يبقى يتحرى الصواب ويسعى للوصول للحق، مثلما أن القائلين بغير ذلك ممن سبق أن ذكرنا أقوالهم ـ وغيرهم ـ وصلوا إلى هذه النتائج قاصدين الوصول للحق والصواب.
4/ إننا لا نجد فيما رأينا ـ وغيرنا ـ من الكتب روايات تحدد هذه المدة لا عن المعصومين من أبناء وأحفاد الإمام الكاظم عليهم السلام ولا من المؤرخين الذين كتبوا عن تلك الفترة، ولذلك فإننا نحمل ما ذكره بعض العلماء من نسبة مدة معينة إلى الروايات، وأن الروايات تقول كذا أو كذا، نحمله على سبق اللسان، فإنه لا توجد روايات من هذا القبيل.
ويبقى المدار على التخمين والاحتمال والاستفادة من بعض النصوص التاريخية، وأهمها فيما نعتقد:
النصوص التي تتحدث عن سجن محمد المهدي العباسي للإمام فترة من الزمن ثم إطلاق سراح الإمام بناء على رؤيا ـ كما ذكرنا نقلا عن مصادر شيعية وأخرى غير شيعية وقد مرت في صفحات سابقة ـ أو بناء على ما ذكره الطبري مبتسرا الخبر وجاعلا إياه منقبة للمهدي في أنه تأمل في آية فهل عسيتم إن توليتم..
والنصوص الكثيرة التي تتحدث عن أن هارون عندما جاء إلى المدينة بعد عمرة شهر رمضان سنة 179 أمر باعتقال الإمام عليه السلام، فأخذ للبصرة وسجن فيها ثم إلى بغداد لينقل إلى سجن الفضل بن الربيع ثم سجن الفضل بن يحيى البرمكي ثم السندي بن شاهك بالنحو الذي فصلناه فيما سبق.
وأقصى مدة متصورة لسجنه أيام هارون العباسي هي ثلاث سنوات وتسعة أشهر، فإن اعتقال الإمام وسجنه بدأ من القبض عليه بتاريخ 20 شوال 179 هـ وإشخاصه إلى البصرة بأمر هارون ليستقر في سجن عيسى بن جعفر المنصور
هامش
91 ) الطبري: تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري ٨/٢٧١
92 ) ابن كثير: البداية والنهاية ١٣/٥٤٢ قال الربيع الحاجب : رأيت المهدي يصلي في ليلة مقمرة في بهو له عليه ثياب حسنة ، فما أدري هو أحسن أم القمر ، أم بهوه ، أم ثيابه . فقرأ ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) [ محمد : 22 ] الآية . ثم أمرني فأحضرت رجلا من أقاربه كان مسجونا فأطلقه !
93 ) نفس المصدر ١٣/٦٢٤