والنهي، فلا بد أن يقدم لهارون (مهرا)تستحقه تلك الولاية، وكان هارون الذي (تورط)فيما نعتقد باعتقال الإمام عليه السلام يريد إنهاء هذا الملف المقلق.. نقول: تورط لأن اعتقاله لم يكن له مبرر إطلاقا، فلا هو شارك في عمل عسكري ضدهم ولا أظهر القول المخالف الصريح الذي يستوجب اعتقالهم إياه، وكانت سمعة الإمام الكاظم عند الجميع ناصعة ويرونه مظلوما في هذا الأمر.. هذا من جهة ومن جهة أخرى لم يكن هارون ليقتنع بإطلاق سراحه ليعود إلى المدينة بشكل عادي! ولا هو أيضا قادر على التظاهر بقتله! ولذلك نرى أنه حاول أن ينكر موته مسموما وجاء بمن يشهد على الإمام أنه مات حتف أنفه[77] ولم يضرب ولم يسمم!.. وهذا حصل قبل شهادة الإمام حيث جمع هارون جماعة له في سجنه وبعد شهادته حيث أعلن المتحدث الرسمي بأن موسى بن جعفر قد مات حتف أنفه!
التقت هذه الرغبات الخبيثة لتنتج أن يحول الإمام عليه السلام إلى السندي بن شاهك[78] ونحن نحتمل أن الإمام قد بقي بعض الوقت في بيت للسندي بن شاهك قبل أن يحول للسجن المعروف بطامورة السندي.. ولعل الرواية التي تتحدث عن إعجاب اخت السندي بعبادة الإمام وبأنها كانت تنتقد فعل الخلافة في سجنه وتعتبره ضلالا، تشير إلى هذه الفترة إذ كانت هي التي تتولى أمر خدمته وما يرتبط به، وهذا إنما يكون في العادة في بيت لا في الطامورة، قال ابن الأثير " وتولّت حبسه أخت السنديّ بن شاهك، وكانت تتديّن، فحكت عنه أنّه كان إذا صلّى العتمة حمد اللَّه ومجّده ودعاه إلى أن يزول اللّيل، ثمّ يقوم فيصلّي، حتى يصلّي الصبح، ثمّ يذكر اللَّه تعالى حتى تطلع الشمس، ثمّ يقعد إلى ارتفاع الضحى، ثمّ يرقد، ويستيقظ قبل الزوال، ثمّ يتوضّأ ويصلّي، حتى يصلّي العصر، ثمّ يذكر اللَّه، حتى يصلّي المغرب، ثمّ يصلّي ما بين المغرب والعتمة، فكان هذا دأبه إلى أن مات. وكانت إذا رأته قالت: خاب قوم تعرّضوا لهذا الرجل الصالح"[79]كما أنه يذكر الكشي في رجاله أن السندي كان قد وكل أحد مواليه واسمه بشار بالإمام وقال له: " يا بشار اني أريد أن ائتمنك على ما ائتمنني عليه هارون، قلت: اذن لا أبقى فيه غاية. قال: هذا موسى بن جعفر قد دفعه إلي. وقد وكلتك بحفظه، فجعله في دار جوف دور حرمه ووكلني عليه"[80]فغدا بشار من القائلين بإمامته عليه السلام.
وفي هذه الفترة يظهر أنه كان بإمكان بعض شيعته بل غيرهم أن يلتقوا بالإمام عليه السلام فقد ذكر الشيخ القرشي ناقلا عن مصادر أن " موسى بن إبراهيم المروزي قد التقى بالإمام، وقد سمح له السندي بذلك لأنه كان معلما لولده، وقد ألف المروزي كتابا مما سمعه من الإمام عليه السلام. واتصل به هند بن الحجاج وغيره من قادة الفكر الإسلامي، كما دخل عليه في غلس الليل أبو يوسف ومحمد بن الحسن «الشيباني » وقد أراد اختباره في بعض المسائل المهمة ليطلعا على مدى علمه".[81]
إلا أن هذا تغير عندما نقل فيما يرى باحثون إلى سجن تحت الأرض وفصل عن الناس وهو ما يعرف بطامورة السندي بن شاهك، ويشير الشيخ الكوراني في كتابه إلى بعض ملامح هذا السجن والسجان بقوله:" وكان السندي بن شاهك يكلف بالمهمات التي تحتاج إلى قمع وتجسس! قال في وفيات الأعيان: 1 / 338: «ثم دعا (هارون الرشيد) السندي بن شاهك فأمره بالمضي إلى بغداد والتوكل بالبرامكة وكتَّابهم وقراباتهم، وأن يكون ذلك سراً ففعل السندي ذلك».
هامش
77 ) الحر العاملي، إثبات الهداة ٤/ ٢٣٠ أن موسى بن جعفر عليه السّلام قال له ولجماعة وهو في حبس السندي بن شاهك أخبركم أيها النفر أني قد سقيت السم في سبع تمرات وأنا غدا أخضرّ وبعد غد أموت، قال: فنظرت إلى السندي يضطرب ويرتعد مثل السعفة..
78 ) سيأتي الحديث عن شخصيته السيئة في فصل أسماء في سجن الامام الكاظم.
79 ) ابن الأثير، أبو الحسن الجزري: الكامل في التاريخ ٥/٣٣٢
80 ) الطوسي، اختيار معرفة الرجال ٢/ ٣٢٣
81 ) القرشي، حياة الإمام موسى بن جعفر ٢/ ٤٩١