غواص بحار الأنوار:العلامة المجلسي
محمد باقر بن محمد تقي
1037- 1111هـ
يمكن القول أن توجيه النبي صلى الله عليه وآله وحديثه المشهور (من حفظ من أمتي أربعين حديثا بعثه الله عالما) لم يكن الغرض منه مجرد الحفظ والترديد بحيث يتحول المسلم الحافظ إلى آلة تسجيل، بقدر ما كان الغرض منه حفظه (عن الضياع) ونقله (بين الأجيال) الأمر الذي يؤدي إلى تراكم (المعرفة).
ولهذا كان مهمّاً أن يحفظه الحافظون في كل مرحلة بغض النظر عن قدرتهم على الاستفادة منه بالكامل في تلك المرحلة. فـ (رب حامل علم إلى من هو أعلم منه) [224]، و(رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) [225].
بل يمكن القول أن المعرفة الانسانية ما كان لها أن تصل إلى ما وصلت إليه، لولا وجود عنصر الحفظ لعلم السابقين والبناء عليه من قبل اللاحقين. إذ بدون ذلك يتعين على العالم أن يبدأ دوما من نقطة الصفر، ومن المبادئ التصورية لكل علم، حتى ينتقل منها إلى المراحل التالية، وقد ينتهي عمره دون أن يصل إلى ما ينبغي أن يصل إليه. غير أن وجود هذا التراكم العلمي المحفوظ، جعل العلماء اللاحقين يبنون على القواعد تلك ما وصلوا إليه من النتائج، فكان أن تطورت المعرفة البشرية.
وإذا كان هذا المعنى صادقا في المعارف البشرية، فإنه أوضح في المعارف الصادرة عن الوحي بصورة مباشرة وغير مباشرة فكان حفظ القرآن مهما ومطلوبا، وكان حفظ الحديث النبوي والإمامي شيئا لازما.
وبالرغم من أن هذا الثاني -حفظ الحديث النبوي والامامي- تعتريه المصاعب، لأجل أنه ليس كل ما نقل عن النبي أو الامام C، صحيح النسبة إليه، أو معروف الجهة والدلالة. ويحتاج بلا شك إلى بذل الجهد للاطمئنان أو (الظن الخاص) إلى صدوره، وانتسابه.
إلا أن هذه هي مرحلة أخرى بعد الجمع والحفظ إذ لو أريد إجراء مقص النقد والتدقيق حين الجمع، ومن المعلوم أن هذا يتأثر بمستوى وتوجه الناقد والمدقق لضاع الكثير من ذلك التراث والعلم بناء على أنه ليس صحيحا في رأي هذا الناقد الجامع. ولكن الصحيح هو أن يجمع ما وصل إلى العالم من تراث ومعارف، ثم تأتي المرحلة الثانية بعمله هو أو عمل الجيل الذي بعده، ليتم القيام بالنقد والتحقيق والتصحيح والتضعيف، ويأتي جيل آخر ليناقش نفس (العمل المجموع أولا) فربما وصل إلى نفس النتائج وربما ضيقها أو وسعها.
فيبقى لدى الأمة مساحة واسعة من العلم الذي بقي منذ القدم، وتراكم، وحُفظ، ويأتي الباحثون بعد ذلك ليحققوا فيه.
هامش
224 الطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وآله في المعجمين الأوسط والصغير.
225 الكليني في الكافي 1. 403.