ووجّه التخيير على الأوّل باستقلال العقل بوجوب طاعة المولى مهما أمكن . فإذا أمر بشيئين ولم يمكن امتثالهما معاً ؛ لكونه جمعاً بين المتناقضين ، ولا امتثال أحدهما معيّناً ؛ لكونه ترجيحاً بلا مرجّح - كما في المتعارضين - ، يستقلّ العقل بامتثال أحدهما لا بعينه ؛ نظراً إلى إمكانه وتحقق طاعة المولىوامتثال أمره بذلك ، فيقبح تركه في نظره . وهذا هو الوجه في القول بالتخيير ، لا بدلالة عموم أو إطلاق الأدلّة اللفظية ؛ حتى يُدّعي انصرافها .
لكن ذلك بناءً على مسلك السببية . وفي الحقيقة يدخل المتعارضان - بناءًعلى هذا المسلك - في باب التزاحم .
وأما بناءً على مسلك الطريقية ، فلا مناص من التساقط والتوقف . وذلكلا لأجل اشتباه ما هو طريق واقعاً بغيره وعدم العلم به بعينه - كتردّد خبرصحيح بين خبرين - ، بل لنفي كلٍّ منهما طريقية الآخر ؛ لما بينهما من التكاذبالناشيء ممّا بينهما من التضادّ والتناقض . وبعد التكافؤ والتكاذب لا مناص منالترجيح عند إمكانه ، وإلّا فالرجوع إلى الأصل العملي المطابق لأحدهما ، لا المخالف لهما ؛ نظراً إلى عدم سقوطهما عن الحجية في نفي الثالث ؛ حيثلا تكاذب ولا تمانع بينهما من هذه الجهة .
وإليك فقراتٌ من نصّ كلامه في المقام :
قال : « والكلام فيه : أوّلًا : في أنّ الأصل في المتكافئين التساقط وفرضُهماكأن لم يكونا أو لا ؟ ثم اللازم بعد عدم التساقط : الاحتياط أو التخيير ، أو التوقّفوالرجوع إلى الأصل المطابق لأحدهما دون المخالف لهما ؛ لأنّه معنىتساقطهما ؟
فنقول - وباللَّه المستعان - :
قد يقال ، بل قيل : إنّ الأصل في المتعارضين عدم حجية أحدهما : لأنّ دليلالحجية مختصّ بغير صورة التعارض .
بدايع البحوث في علم الأصول — صفحة 138
مساهمون: علي أكبر السيفي المازندراني
ص١٣٨