حضر غضب المهدي على أبي عبيد اللَّه وترضاه عنه بشعر فرضي عنه :
أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى إجازة قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني عليّ بن يزيد الخزرجيّ الشاعر عن يحيى بن الرّبيع قال :
دخل أبو عبيد اللَّه على المهديّ ، وكان قد وجد عليه في أمر بلغه عنه ، وأبو العتاهية حاضر المجلس ، فجعل المهديّ يشتم أبا عبيد اللَّه ويتغيّظ عليه ، ثم أمر به فجرّ برجله وحبس ، ثم أطرق المهديّ طويلا . فلمّا سكن أنشده / أبو العتاهية :
أرى الدّنيا لمن هي في يديه
عذابا كلَّما كثرت لديه
تهين المكرمين لها بصغر [ 1 ]
وتكرم كلّ من هانت عليه
إذا استغنيت عن شيء فدعه
وخذ ما أنت محتاج إليه
فتبسّم المهديّ وقال لأبي العتاهية : أحسنت ! فقام أبو العتاهية ثم قال : واللَّه يا أمير المؤمنين ، ما رأيت أحدا أشدّ إكراما للدّنيا ولا أصون لها ولا أشحّ عليها من هذا الذي جرّ برجله الساعة . ولقد دخلت إلى أمير المؤمنين ودخل هو وهو أعزّ الناس ، فما برحت حتى رأيته أذلّ الناس ، ولو رضي من الدنيا بما يكفيه لاستوت أحواله ولم تتفاوت . فتبسّم المهديّ ودعا بأبي عبيد اللَّه فرضي عنه . فكان أبو عبيد اللَّه يشكر ذلك لأبي العتاهية .
مدح شعرا له بإسحاق بن حفص :
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني محمد بن الحسن قال حدّثني إسحاق بن حفص قال :
/ أنشدني هارون بن مخلَّد الرازيّ لأبي العتاهية :
ما إن يطيب لذي الرعاية [ 2 ] لل
أيّام لا لعب ولا لهو
إذ كان يطرب [ 3 ] في مسرّته
فيموت من أجزائه جزو
فقلت : ما أحسنهما ! فقال : أهكذا تقول ! واللَّه لهما روحانيّان يطيران بين السماء والأرض .
فضله ابن مناذر على جميع المحدثين :
أخبرني محمد بن القاسم الأنباريّ قال حدّثني أبي عن ابن عكرمة عن مسعود بن بشر المازنيّ قال :
لقيت ابن مناذر بمكة ، فقلت له : من أشعر أهل الإسلام ؟ فقال : أترى من إذا شئت هزل ، وإذا شئت جدّ ؟
قلت : من ؟ قال : مثل جرير حين يقول في النّسيب :
إنّ الذين غدّوا بلبّك غادروا
وشلا بعينك ما يزال معينا
غيّضن من عبراتهنّ وقلن لي
ماذا لقيت من الهوى ولقينا
هامش
[ 1 ] الصغر : الضيم والذل .
[ 2 ] في س ، ب : « الوعاية » بالواو وهو تحريف .
[ 3 ] في « ديوانه » ( ص 298 ) : « يسرف » .