مثل ما قد بنى له أوّلوه
وكذا يشبه البناة [ 1 ] البنانا
- الشعر والغناء لأبي سعيد مولى فائد - فأحسن . فقال له المهديّ : أحسنت يا أبا سعيد ! فغنّني « لقد طفت سبعا » . قال : أو أغنّيك أحسن منه ؟ قال : أنت وذاك . فغنّاه :
قدم الطويل فأشرقت واستبشرت
أرض الحجاز وبان في الأشجار
إنّ الطويل من آل حفص فاعلموا
ساد الحضور وساد في الأسفار
فأحسن فيه . فقال : غنّني « لقد طفت سبعا » . قال : أو أغنيّك أحسن منه ؟ قال : فغنّني . فغناه :
أيّها السائل الذي يخبط الأر
ض دع الناس أجمعين وراكا
وأت هذا الطويل من آل حفص
إن تخوّفت علية [ 2 ] أو هلاكا
فأحسن فيه . فقال له : غنّني « لقد طفت سبعا » ، فقد أحسنت فيما غنّيت ، ولكنا نحبّ أن تغنّي ما دعوناك إليه . فقال : لا سبيل إلى ذلك يا أمير المؤمنين ؛ لأنّي رأيت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في منامي وفي يده شيء لا أدري ما هو ، / وقد رفعه ليضربني به وهو يقول : يا أبا سعيد ، لقد طفت سبعا ، لقد طفت سبعا سبعا طفت ! ما صنعت بأمّتي في هذا الصوت ! فقلت له : بأبي أنت وأمي اغفر لي ، فو الَّذي بعثك بالحقّ واصطفاك بالنبوّة لا غنّيت هذا الصوت أبدا ؛ فردّ يده ثم قال : عفا اللَّه عنك إذا ! ثم انتبهت . وما كنت لأعطي رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم شيئا في منامي فأرجع عنه في يقظتي .
فبكى المهديّ وقال : أحسنت يا أبا سعيد أحسن اللَّه إليك ! لا تعد في غنائه ، وحباه وكساه وأمر بردّه إلى الحجاز .
فقال له أبو سعيد : ولكن اسمعه يا أمير المؤمنين من منّة جارية البرامكة . وأظنّ حكاية من حكى ذلك عن المهديّ غلطا ؛ لأن منّة جارية البرامكة لم تكن في أيّام المهديّ ، وإنما نشأت وعرفت في أيّام الرشيد .
وقد حدّثني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني هبة اللَّه بن إبراهيم بن المهديّ عن أبيه أنّه هو الذي لقي أبا سعيد مولى فائد وجاراه هذه القصّة . وذكر ذلك أيضا حمّاد بن إسحاق عن إبراهيم بن المهديّ . وقد يجوز أن يكون إبراهيم بن المهديّ وإسحاق سألاه عن هذا الصوت فأجابهما فيه بمثل ما أجاب المهديّ . وأمّا خبر إبراهيم بن المهديّ خاصّة فله معان غير هذه ، والصوت الذي سأله عنه غير هذا ؛ وسيذكر بعد انقضاء هذه الأخبار لئلَّا تنقطع .
أراده إبراهيم بن المهدي على الذهاب إلى بغداد فأبى :
وأخبرني إسماعيل [ 3 ] بن يونس الشّيعيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة :
أنّ إبراهيم بن المهديّ لقي أبا سعيد مولى فائد ؛ وذكر الخبر بمثل الذي قبله ، وزاد فيه : فقال له : اشخص معي إلى بغداد ، فلم يفعل . فقال : ما كنت لآخذك بما لا تحبّ ، ولو كان غيرك لأكرهته على ما أحبّ ، ولكن دلَّني / على من ينوب / عنك . فدلَّه على ابن جامع ، وقال له : عليك بغلام من بني سهم قد أخذ عنّي وعن نظرائي
هامش
[ 1 ] فيء ، ط ، م هنا وفيما يأتي :وكذا يشبه النبات النباتا[ 2 ] في م : « غيلة » . وفيء ، ط : « عولة » .
[ 3 ] في ب ، س : « إسحاق » ، وهو تحريف .