حيّ العمود ومن بعقوته [ 1 ]
وقفا العمود وإن جلا أهله [ 2 ]
قال : فاستحسن الشاميّ غناءه ، وقال له : زدني ؛ فقال : أو ما يكفيك ما سمعت ؟ قال : لا واللَّه ما يكفيني .
قال : فإنّ لي إليك حاجة . قال : وما هي ؟ قال : تبيعني أحد هذين الغلامين أو كليهما . قال : اختر أيّهما شئت ؛ فاختار أحدهما . فقال الشاميّ : هو لك ؛ فقبله الدّلال ، ثم غنّاه :
دعتني دواع من أريّا فهيّجت
هوى كان قدما من فؤاد طروب
لعلّ زمانا قد مضى أن يعود لي
فتغفر أروى عند ذاك ذنوبي
سبتني أريّا يوم نعف محسّر [ 3 ]
بوجه جميل للقلوب سلوب
فقال له الشاميّ : أحسنت ! ثم قال له : أيها الرجل الجميل ، إن لي إليك حاجة . قال : وما هي ؟ قال : أريد وصيفة ولدت في حجر صالح ، ونشأت في خير ، جميلة الوجه مجدولة ، وضيئة ، جعدة [ 4 ] ، في بياض مشربة حمرة ، حسنة القامة ، سبطة [ 5 ] ، أسيلة الخدّ ، / عذبة اللسان ، لها شكل ودلّ ، تملأ العين والنفس . فقال له الدّلال :
قد أصبتها لك ، فما لي عليك إن دللتك ؟ قال : غلامي هذا . قال : إذا رأيتها وقبلتها [ 6 ] فالغلام لي ؟ قال نعم . فأتى امرأة كنى عن اسمها ، فقال لها : جعلت فداك ! إنّه نزل بقربي رجل من أهل الشأم من قوّاد هشام له ظرف وسخاء ، وجاءني زائرا فأكرمته ، ورأيت معه غلامين كأنّهما الشمس الطالعة والقمر المنير والكواكب الزاهرة ، ما وقعت عيني على مثلهما ولا ينطلق لساني بوصفهما ، فوهب لي أحدهما والآخر عنده ؛ وإن لم يصل إليّ فنفسي خارجة . قالت :
فتريد ماذا ؟ قال : طلب منّي وصيفة يشتريها على صفة لا أعلمها في أحد إلَّا في فلانة بنتك ، فهل لك أن تريها له ؟
قالت : وكيف لك بأن يدفع الغلام إليك إذا رآها ؟ قال : فإنّي قد شرطت عليه ذلك عند النظر لا عند البيع . قالت :
فشأنك ولا يعلم / أحد بذلك . فمضى الدلال فجاء الشاميّ معه . فلمّا صار إلى المرأة أدخلته ، فإذا هو بحجلة [ 7 ] وفيها امرأة على سرير مشرف برزة جميلة ، فوضع له كرسيّ فجلس . فقالت له : أمن العرب أنت ؟ قال نعم . قالت :
من أيّهم ؟ قال : من خزاعة . قالت : مرحبا بك وأهلا ، أيّ شيء طلبت ؟ فوصف الصفة ؛ فقالت : أصبتها ، وأصغت [ 8 ] إلى جارية لها فدخلت فمكثت هنيهة ثم خرجت ؛ فنظرت إليها المرأة فقالت لها : أي حبيبتي ، أخرجي ؛ فخرجت وصيفة ما رأى الرّاؤن مثلها . فقالت لها : أقبلي فأقبلت ، ثم قالت لها : أدبري ، فأدبرت تملأ العين والنفس ؛ فما بقي منها شيء إلَّا وضع يده عليه . فقالت : أتحبّ أن نؤزّرها لك ؟ قال نعم . قالت : أي حبيبتي ائتزري ، فضمّها الإزار وظهرت محاسنها الخفيّة ، وضرب بيده على عجيزتها وصدرها . ثم قالت : أتحبّ أن
هامش
[ 1 ] العقوة : الاسحة .
[ 2 ] كذا في جميع الأصول . وفيه إقواء .
[ 3 ] النعف : المرتفع من الأرض في اعتراض . وقيل : ما انحذر عن السفح وغلظ وكان فيه صعود وهبوط . ( ومحسر بالضم فالفتح وكسر السين المشدّدة ) : موضع بين مكة وعرفة ، وقيل : بين منى وعرفة ، وقيل : بين منى والمزدلفة .
[ 4 ] الجعدة : التي في شعرها جعودة .
[ 5 ] كذا في أكثر الأصول ؛ يقال : غلام سبط الجسم أي حسن القدّ لطيفه . وفيء ، ط : « شاطَّة » أي حسنة القوام في اعتدال .
[ 6 ] كذا في : ح . وفي سائر الأصول : « قلبتها » .
[ 7 ] الحجلة : بيت يزين بالثياب والأسرّة والستور .
[ 8 ] أي مالت إليها برأسها .