تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
فقيل : نعم فقال : كيف تعمل وما تصنع ؟ قيل : نتوقّى ونتحرّز ، فقال : اصنعوا في طريق الدّين كذلك ، فتوقّوا عن المعاصي ، كما يتوقّى الماشي رجله من الشّوك . ونظمها بعض الشّعراء وقال :
خلِّ الذنوب صغيرها * وكبيرها فهو التّقى واصنع كماش فوق أر * ض الشّوك يحذر ما يرى لا تحقرنّ صغيرة * إنّ الجبال من الحصى
وقيل : التّقوى بحسب العرف الشّرعي تعود إلى خشية اللّه سبحانه المستلزمة للإعراض عن كلّ ما يوجب الالتفات عنه تعالى ، من متاع الدّنيا وزينتها ، وتنحية ما دون وجهة القصد . وقيل : إنّ خيرات الدّنيا والآخرة جمعت تحت لفظة واحدة ، وهي التّقوى ، أنظر إلى ما في القرآن الكريم عند ذكرها ، فكم علّق عليها من خير ووعد لها من ثواب ، وأضاف إليها من سعادة دنيوية ، وكرامة أخروية . وحكي عن ابن فهد رحمه اللّه ، في كتاب عدة الدّاعي أنّه قال : التّقوى هي العدة الكافية في قطع الطّريق إلى الجنة ، بل هي الجنة الواقية من متالف الدّنيا والآخرة ، وهي الممدوحة بكلّ لسان ، والمشرفة لكلّ إنسان ، وقد شحن بمدحها القرآن ، وكفاها شرفا قوله تعالى :
وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ
« 1 » ولو كانت في العالم خصلة هي أصلح للعبد وأجمع للخير ، وأعظم بالقدر ، وأولى بالإيجال ، وأنجح للآمال من هذه الخصلة الّتي هي التّقوى لكان اللّه أوصى بها عباده لمكان حكمته ورحمته فلمّا أوصى بهذه الخصلة الواحدة جميع الأولين والآخرين واقتصر عليها علم أنّها الغاية الّتي
هامش
( 1 ) الآية 131 من سورة النّساء ، وفي تفسير الآية الكريمة من تفسير الصّافي نقلا عن مصباح الشّريعة أنّه قال الصّادق عليه السّلام : في هذه الآية قد جمع اللّه ما يتواصى به المتواصون من الأولين والآخرين ، في خصلة واحدة هي التّقوى ، وفيها جماع كل عبادة صالحة ، وبها وصل من وصل إلى الدّرجات العلى .