ثم أقبل سائرا حتى نزل ببني النّضير ، فلما رأوها أعجبتهم فسقوه الخمر ، ثم استوهبوها منه فوهبها لهم ، وكان لا يمسّ النساء ، فلما أصبح وصحا ندم فقال :
سقوني الخمر ثم تكنّفوني
الأبيات . قال : وجلاها [ 1 ] النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم مع من جلا من بني النضير .
/ وذكر أبو عمرو الشّيبانيّ من خبر عروة بن الورد وسلمى هذه أنه أصاب امرأة من بني كنانة بكرا يقال لها سلمى وتكنى أمّ وهب ، فأعتقها واتّخذها لنفسه ، فمكثت عنده بضع عشرة سنة وولدت له أولادا وهو لا يشكّ في أنها أرغب الناس فيه ، وهي تقول له : لو حججت بي فأمرّ على أهلي وأراهم ! فحجّ بها ، فأتى مكة ثم أتى المدينة ، وكان يخالط من أهل يثرب بني النّضير فيقرضونه إن احتاج ويبايعهم [ 2 ] إذا غنم ، وكان قومها يخالطون بني النّضير ، فأتوهم وهو عندهم ؛ فقالت لهم سلمى : إنه خارج بي قبل أن يخرج الشهر الحرام ، فتعالوا إليه وأخبروه أنكم تستحيون أن نكون امرأة منكم معروفة النسب صحيحته سبيّة ، وافتدوني منه فإنه لا يرى أنّي أفارقه ولا أختار عليه أحدا ، فأتوه فسقوه الشّراب ، فلمّا ثمل قالوا له : فادنا بصاحبتنا فإنها وسيطة [ 3 ] النسب فينا معروفة ، وإنّ علينا سبّة أن تكون سبيّة ، فإذا صارت إلينا وأردت معاودتها فاخطبها إلينا فإننا ننكحك ؛ فقال لهم : ذاك لكم ، ولكن لي الشرط فيها أن تخيّروها ، فإن اختارتني انطلقت معي إلى ولدها وإن اختارتكم انطلقتم / بها ؛ قالوا : ذاك لك ؛ قال :
دعوني أله بها الليلة وأفادها [ 4 ] غدا ، فلمّا كان الغد جاؤوه فامتنع من فدائها ؛ فقالوا له : قد فاديتنا بها منذ البارحة ، وشهد عليه بذلك جماعة ممّن حضر ، فلم يقدر على الامتناع وفاداها ، فلما فادوه بها خيّروها فاختارت أهلها ، ثم أقبلت عليه فقالت : يا عروة أما إنّي أقول فيك وإن فارقتك الحقّ : واللَّه ما أعلم امرأة من العرب ألقت سترها على بعل خير منك وأغضّ طرفا وأقلّ فحشا وأجود يدا وأحمى لحقيقة [ 5 ] ؛ وما مرّ عليّ يوم منذ كنت عندك إلا والموت فيه أحبّ إليّ من الحياة بين / قومك ، لأنّي لم أكن أشاء أن أسمع امرأة من قومك تقول : قالت أمة عروة كذا وكذا إلا سمعته ؛ وو اللَّه لا أنظر في وجه غطفانيّة أبدا ، فارجع راشدا إلى ولدك وأحسن إليهم . فقال عروة في ذلك :
سقوني الخمر ثم تكنّفوني
وأوّلها :
أرقت وصحبتي بمضيق عمق [ 6 ]
لبرق من تهامة مستطير
سقى سلمى وأين ديار سلمى
إذا كانت مجاورة السّرير [ 7 ]
هامش
[ 1 ] كذا في ح . وجلا متعدّ ولازم كأجلى . وفي سائر النسخ « أجلاها » .
[ 2 ] ويبايعهم : يعقد معهم البيع .
[ 3 ] وسيطة النسب : حسيبة في قومها كريمة .
[ 4 ] في جميع النسخ : « وأفاديها » بإثبات الياء .
[ 5 ] في ب ، س ، ح : « لحقيقته » والحقيقة : ما يجب على الرجل أن يحميه وما لزمه الدفاع عنه من أهل بيته .
[ 6 ] عمق : موضع قرب المدينة من بلاد مزينة .
[ 7 ] كذا في إحدى روايتي ط وهو الموافق لما ذكره ياقوت في « معجمه » من أن السرير موضع في بلاد بني كنانة مستشهدا بهذا البيت .
وفي سائر النسخ : « السدير » وهو تحريف .