ولم أرتض التوديع إلّا لذكركم * وقد صار أحلى ما يمرّ بمسمعي
وإنّي على ما تعهدون من الوفا * دنا من ذراكم أو نأى بي موضعي
فقد قيل قدماً إنّ من كرم الفتى * إخاء التنائي لا أخاء التجمّع
ولم أضرب الأمثال أنّي أخ لكم * فحسبي أنّي عبدكم من ترفّع
ولكنّني بيّنت ما تعرفون من * طباعي فإنّ الطبع غير التطبّع
ولابدّ من دهر يسرّ بقربكم * فؤادي ويطفي لوعتي وتفجّعي
وتمسي الأعادي موثقين كمهجتي * لديكم وأنتم مطلقون كأدمعي
وريم له ورد ومرعىً ومربع * دموعي وقلبي المستهام وأضلعي
رعى ثمرات الودّ من كلّ مهجة * على أنّ ميثاق الهوى منه ما رعي
وكم نصحتني في هواه عواذل * عليه ولكن ربّ نصح مضيّع
أعاذل لو أبصرت حلو جماله * لرحت بقلب مستهام مضيّع
وإن كنت أعمى عن محاسن وجهه * فإنّي أعمى القلب أخرس لا أعي
ولو كان ما بي من حبيب معمّم * سلوت ولكن من حبيب مقنّع
ومالي على باب التسلّي طاقة * وقد وقعت في رزّة الحبّ إصبعي
وهي طويلة ، أجاد فيها ، وشعره من هذا النمط ، وجميعه مختار في الدرجة العالية ، وهو في مذهبي أشعر من ابن نباتة المصري ، فإنّه لا يتكلّف المعاني اللطيفة كالتورية ونحوها .
وله في استهلال قصيدة رثي بها أخاه علياً :
قطفت عليّ يد الزمان شقيقي * فعلام تنكر زفرتي وشهيقي
سقّيت تربته بدمعي لم يفد * با ليتني أدركته بلحوقي
يا دهر مالي واعتداك أما كفى * ما قد صنعت بنا من التفريق
أنزلت نحو الغرب بدراً كاملًا * وتركت من يبقى بغير شروق
وله ديوان شعر جمعه أخوه إسماعيل ، وهو مليء بالاحسان ، وكان جاء من عمله الذي أشرنا إليه مريضاً ، فقدّرت وفاته بعد وصوله بصنعاء سنة اثنتي عشرة ومائة