مروره بجبلي نعمان ومكثه فيهما إلى هبوب الصبا وما قاله في ذلك من الشعر أخبرني أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر المهلَّبيّ قالا : حدّثنا عمر بن شبّة قال قال محمد بن الحكم عن عوانة : إنه حدّثه ووافقه ابن نصر وابن حبيب قالوا :
إنّ أهل المجنون خرجوا به معهم إلى وادي القرى [ 1 ] قبل توحشه ليمتاروا [ 2 ] خوفا عليه [ من ] [ 3 ] أن يضيع أو يهلك ، فمرّوا في طريقهم بجبلي نعمان [ 4 ] ، فقال له بعض فتيان الحيّ : هذان جبلا نعمان ، وقد كانت ليلى تنزل بهما ، قال : فأيّ الرياح يأتي من ناحيتهما ؟ قالوا : الصّبا ، قال : فو اللَّه لا أريم [ 5 ] هذا الموضع حتى تهبّ الصبا ، فأقام ومضوا فامتاروا لأنفسهم ، ثم أتو عليه فأقاموا معه ثلاثة أيام حتى هبّت الصّبا ، ثم انطلق معهم فأنشأ يقول :
صوت
أيا جبلي نعمان باللَّه خلَّيا
سبيل [ 6 ] الصّبا يخلص إلي نسيمها
أجد بردها أو تشف منّي حرارة
على كبد لم يبق إلا صميمها [ 7 ]
فإنّ الصّبا ريح إذا ما تنسّمت
على نفس محزون [ 8 ] تجلَّت همومها
ارتحال أهل ليلى عن منازلهم وما قاله في ذلك من الشعر
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني محمد بن الحسين [ 9 ] بن الحرون قال حدّثني الكسرويّ [ 10 ] عن جماعة من الرواة [ 11 ] قال :
لما منع أبو ليلى المجنون وعشيرته من تزويجه بها ، كان لا يزال يغشى بيوتهم ويهجم عليهم ، فشكوه إلى السلطان فأهدر دمه لهم ، فأخبروه بذلك فلم يرعه وقال : الموت أروح لي [ 12 ] فليتهم قتلوني ، فلمّا علموا بذلك وعرفوا أنه لا يزال يطلب غرّة [ 13 ] منهم حتى إذا تفرّقوا دخل دورهم ، فارتحلوا عنها وأبعدوا ، وجاء المجنون عشية فأشرف
هامش
[ 1 ] وادي القرى : واد بين الشأم والمدينة كانت به قرى منظومة ، وبها سمي وادي القرى . قال ياقوت : وآثار القرى إلى الآن ظاهرة إلا أنها في وقتنا هذا كلها خراب ومياهها جارية تتدفق ضائعة لا ينتفع بها أحد . انظر « معجم ياقوت » في كلمة القرى .
[ 2 ] من الامتيار وهو جلب الطعام للبيع وغيره .
[ 3 ] زيادة في ت ، ح .
[ 4 ] هو نعمان الأراك وهو واد بين مكة والطائف . وقيل واد لهذيل على ليلتين من عرفات .
[ 5 ] لا أريم : لا أبرح . وفي ت : « لا أريم من هذا الموضع » وكلاهما صحيح .
[ 6 ] كذا في ت و « تزيين الأسواق » في ترجمة المجنون ص 72 طبع بولاق . وفي سائر النسخ : « نسيم الصبا » .
[ 7 ] صميمها : أصلها .
[ 8 ] كذا في أغلب النسخ و « الديوان » وفي ت ، ح ، و « تزيين الأسواق » : « مهموم » .
[ 9 ] كذا في أغلب النسخ . وفي ت . ح : « الحسن » .
[ 10 ] كذا في أغلب النسخ وفي ح : « الكردوسيّ » .
[ 11 ] كذا في أغلب النسخ . وفي ت : « قالوا » .
[ 12 ] في ت : « أروح إلى » .
[ 13 ] غرّة : غفلة .