وقاسى فيها في الحقيقة عظيمة الشدّة .
ثمّ أبت همّته العلية عن الإقامة على الإذلال والعسر والإقلال لأنّما من سيمة الجهّال ، فأخذته الحمية والهمّة الهاشمية ، فكرّ راجعاً إلى الهند ، وتسلّى عن هوى ليلى بهند ، فأقام ببندر سورت أيّاماً ، ثمّ رحل إلى شاه جهان آباد ، واجتهد في تحصيل المناصب ، وعلوّ المراتب ، فأظهر الرئاسة والنظام ، وأقبلت الدنيا منقادة إليه بالزمام ، فهو اليوم من جملة الامراء الأجواد في شاه جهان آباد ، ركن الغرباء وأبناء البلاد .
ثمّ رفعه الأمير سعادت خان بقدرة الملك السلطان ، رتبة علية ، وقلّده منصب البخشية ، يعني أمير الجيوش بلغة الهندية ، فما زال عنده في منصب كبير وكرم شهير بين الكبير والصغير ، والغني والفقير ، على الخصوص مع أبناء بلده ، فإنّه قلّد أعناقهم بورقه وعسجده ، إلى أن دعاه إلى قربه ملك الملوك ورزّاق العباد ، فنقله من منصب الدنيا الفاني إلى منصب الأخرى الباقي من شاه جهان آباد رحمه الرحيم الرحمن ، وأسكنه في أعلى فراديس الجنان ، مع الحور والولدان .
وله نظم رقيق حالي ، ونثر أنيق كالدرّ الغالي ، يشتاق إليه أهل الآداب والنفوس السامية ، شوق المريض إلى العافية ، فمن نظمه قوله متغزّلًا :
جارت على مهجتي ظلماً وما عدلت * فليت شعري إلى من في الهوى عدلت
هيفاء كم أسرت صبّاً وكم قتلت * وكم قلوبٌ شوت يوم النوى وقلت
بهجرها أسقمت جسمي ووجنتها * تسعّرت نارها في مهجتي وغلت
تريك بدراً إذا ماست على غصنٍ * فأعجب لها بانة بدر الدجى حملت
عنها الغصون حديث البان ترفعها * عن القوام وعندي صحّ ما نقلت
ما اللظبي إن نفرت ما الغصن إن خطرت * ما الصبح إن سفرت ما الليل إن سدلت
فالبدر إن ظهرت لم يبد من خجلٍ * والشمس إن أبصرتها في الضحى أفلت
والنرجس الغضّ عنها غضّ ناظرة * من الحيا وخدود الورد قد خجلت
تصدّرت لخلافي وهي فارغة * وبالصدود لقلبي في الهوى شغلت
تقلّدت بسيوفٍ من لواحظها * ولي بما اهتزّ من إعظامها عقلت
مليكةٌ بكنوز المال مسرفةٌ * لكن بدينار ذاك الخدّ قد بخلت