ولا أتى بمثل تلك الأوابد التي سارت ، واللوائد التي ثارت ، ولا كان معه إلّا كما يجيب القائل الصدى ، ويجول المقرف مع السابق في المدى ، هذا مع كونه المعرق الجواد ، والمغدق العهاد ، والمستشرق نوراً تجلّى غيهبه ، وكان به مثل فلق الصباح مغربه ، والمطلق العنان في التشبيه والأوصاف ، والمورق البيان في التسوية والإنصاف ، وهو وإن لم يزاحم ابن المعتزّ ، فإنّه لا يقع دون مطاره ، ولا يقصر ذهبه الموزون عن قنطاره ، على أنّهما سقيا من جرثومة ، واستقيا من أرومة ، واشتقّا طينة بالمسك مختومة .
ثمّ ذكر نبذة من أشعاره الرائقة ، منها : قوله :
أما والذي لا يملك الأمر غيره * ومن هو بالسرّ المكتّم أعلم
لئن كان كتمان المصائب مؤلماً * لأعدتها عندي أشدّ وألم
وبي كلّ ما يبكي العيون أقلّه * وما زلت منه دائماً أتبسّم
وقوله :
فتى ليس بين المال يوماً وبينه * ذمامٌ إذا ما زاره الحمد والشكر
إذا زاره وفدٌ غدوا وطريفه * وتالده عند الذي لم يزر وفر
وقوله :
ألا هل لألفاظي طريقٌ إلى العذر * فدون التي أوليتني رتبة الشكر
وما الشعر في قدر الأئمّة رائدٌ * ولكنّ نظم الدرّ أشهى من النثر
وقوله يرثي أخاه :
كلّ حيٍّ إلى الفناء يصير * والليالي تعلّةٌ وسرورُ
وإذا لم يكن من الموت بدٌّ * إنّ طول الحياة نزرٌ حقير
كيف لم تسقط السماء على الأر * ض ولم تهو شمسها والبدور
يوم مات الأمير بل يوم مات الصبر * بل يوم مات السرور
يوم أبكى العيون حتّى بكاه * الأسد الورد والغزال الغرير
وسمعت الزفير وهو صراخٌ * ورأيت الدموع وهي هجير
قبروا شخصه وواروا سناه * وتولّوا والفائز المقبور
كم نصير له هناك ولكن * ليس من سورة الحمام نصير