وبالجملة لم يؤخذ عن حضري قطّ ، ولا من سكّان البراري ممّن كان يسكن أطراف بلادهم التي تجاور سائر الأمم الذين حولهم ، فإنّه لم يؤخذ عن لخم ولا من جذام ، فإنّهم كانوا مجاورين لأهل مصر والقبط ، ولا من قضاعة ولا من غسّان ولا من أياد ؛ لأنّهم كانوا مجاورين لأهل الشام ، وأكثرهم نصارى يقرءون في صلاتهم بغير العربيّة .
ولا من تغلب ولا من النمر ، فإنّهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونانيّة ، ولا من بكر لأنّهم كانوا سكّان البحرين مخالطين للهند والفرس ، ولا من أزد عمّان لمخالطتهم الهند والفرس ، ولا من أهل اليمن أصلا ؛ لمخالطتهم الهند والحبشة ، ولولادة الحبشة فيهم ، ولا من بني حنيفة وسكّان اليمامة ولا من ثقيف وسكّان الطائف ؛ لمخالطتهم تجّارهم الأمم المقيمين عندهم ، ولا من حاضرة الحجاز ؛ لأنّ الذين نقلوا صادفوهم حين ابتدءوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم وفسدت ألسنتهم .
والذي نقل اللغة عن هؤلاء وأثبتها في كتاب وصيّرها علما وصناعة ، هم أهل الكوفة والبصرة فقط من بين أمصار العرب ، وكانت صنائع هؤلاء التي يعيشون بها الرعاية والصيد واللصوصية ، وكانوا أقوى العرب نفوسا ، وأقساهم قلوبا ، وأشدّهم حميّة ، وأحبّهم لأن يغلبوا ولا يغلبون ، وأعسرهم انقيادا للملوك ، وأجفاهم أخلاقا ، وأقلّهم احتمالا للضيم والذلّة . انتهى كلام الفارابي .
والقصد من هذه النقول المفيدة ، الجواب عمّا لعلّه يتوهّم من الاعتراض ، وفي ضمن ذلك حصلت فوائد جمّة ، وإثارات مهمّة ، ولولا خوف التطويل والخروج عمّا نحن بصدده ، لأملينا من هذه الفوائد فصولا مفيدة ، وأصولا سديدة .
ولنرجع إلى ما نحن فيه :
تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية — صفحة 197
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص١٩٧