سكن الناس بالظَّواهر منها
وتبوّا لنفسه بطحاها [ 1 ]
قال إسحاق : ولمّا تزوّج الرشيد زوجته العثمانيّة أعجب بها ، فكان كثيرا ما يتمثّل بهذه الأبيات .
العرجي وأبو عدي العبلي
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال :
/ حدّثت أنّ أبا عديّ العبليّ خرج يريد واديا نحو الطائف يقال له جلدان [ 2 ] ، فمرّ بعبد اللَّه بن عمر العرجيّ وهو نازل هناك بواد يقال له العرج ، فأرسل إليه غلاما له فأعلمه بمكانه ، فأتاه الغلام فقال له : هذا أبو عديّ ، فأمر أن ينزله في مسجد الخيف [ 3 ] ، فأنزله وأبطأ عليه في الخروج . فقال للغلام : ويحك ! ما يحبس مولاك ؟ قال : عنده ابن وردان مولى معاوية ، وهما يأكلان القسب [ 4 ] والجلجلان [ 5 ] . ثم بعث إليه بخبز ولبن ، وبعث لرواحله بحمض [ 6 ] وقدّم إلى رواحل ابن وردان القتّ [ 7 ] والشّعير . فكتب أليه أبو عديّ :
أبا عمر لم تنزل الركب إذ أتوا
منازلهم والرّكب يحفون [ 8 ] بالرّكب
رفعت لئام الناس فوق كرامهم
وآثرتهم بالجلجلان والقسب
فأمّا بعيرانا فبالحمض غذّيا [ 9 ]
وأوثر عبّاد بن وردان بالقضب [ 10 ]
فكتب إليه العرجيّ :
أتانا فلم نشعر به غير أنّه
له لحية طالت على حمق القلب
/ كراية بيطار [ 11 ] بأعلى حديدة [ 12 ]
إذا نصبت لم تكسب الحمد بالنّصب
أتانا على سغب [ 13 ] يعرّض بالقرى
وهل فوق قرض من قرى صاحب السّغب
قال : فارتحل أبو عديّ مغضبا وقال : مزحت معه فهجاني ، وأنشأ يقول في العرجيّ :
هامش
[ 1 ] انظر الكلام على قريش الظواهر وقريش البطاح في الحاشية رقم 3 ص 254 من هذا الجزء .
[ 2 ] قال ياقوت : جلدان - بكسر الجيم وسكون اللام ، واختلف في الدال فمنهم من رواها مهملة ومنهم من رواها معجمة - : موضع قرب الطائف يسكنه بنو نصر بن معاوية من هوزان .
[ 3 ] كذا في ب ، س ، ح . والظاهر من سياق الحكاية أنه غير مسجد الخيف المعروف بمنى . وفي سائر النسخ : « الضيف » ولم تترجح عندنا إحدى الروايتين .
[ 4 ] القسب : التمر اليابس يتفتت في الفم صلب النواة .
[ 5 ] الجلجلان : السمسم .
[ 6 ] الحمض : ما ملح وأمرّ من النبات وهو كفاكهة الإبل تأكله عند سآمتها من الخلة . وهي ما حلا من النبات .
[ 7 ] في « المصباح » : القت : الفصفصة إذا يبست . وقال الأزهري : القت : حب بريّ لا ينبته الآدمي ، فإذا كان عام قحط وفقد أهل البادية ما يقتاتون به من لبن وتمر ونحوه ، دقوه وطبخوه واجتزؤا به على ما فيه من الخشونة .
[ 8 ] حفي به يحفى حفاوة وحفاية : بالغ في إكرامه .
[ 9 ] في ت ، أ ، م ، ء : « ففي الحمض عديا » .
[ 10 ] تقدّم أن الذي قدّم لرواحل ابن وردان هو القت والشعير . فلعله يريد بالقضب هنا القت وهو أحد معانيه ؛ لأن أهل مكة يسمون القت القضب .
[ 11 ] البيطار : معالج الدواب ، من البطر وهو الشقّ . وراية البيطار يضرب بها المثل في الشهرة فيقال : « أشهر من راية البيطار » .
[ 12 ] في ح : « جريدة » .
[ 13 ] السغب بسكون الغين وتحريكها : الجوع . وفي ت ، أ ، ء ، م : « سقب » بالقاف وهو تحريف .