فلمّا حملت الدّين فيها وأصبحت
حيالا مسنّات [ 1 ] الهوى كدت أندم
على حين أن راث [ 2 ] الرّبيع ولم يكن
لها بصعيد من تهامة مقضم
ثمانية للأسلميّ وما دنا
لفحش ولا تدنو إلى الفحش أسلم
فقال له عبد العزيز : فما دينك ؟ ويحك ! قال : ثمانية آلاف ، فأمر له بثمانية آلاف درهم . فلمّا رجع أنشد الأسلميّ الشعر فترك ماله عليه ، قال : الثمانية الآلاف لك .
نصيب والنسوة الثلاث اللاتي كنّ يتناشدن الشعر في المسجد الحرام
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا الزّبير بن بكَّار قال حدّثني الموصليّ عن ابن أبي عبيدة قال :
/ أتى نصيب مكة فأتى المسجد الحرام ليلا . فبينما هو كذلك إذ طلع ثلاث نسوة فجلسن قريبا منه وجعلن يتحدّثن ويتذاكرن الشعر والشعراء ، وإذا هنّ من أفصح النساء وآدابهنّ . فقالت إحداهنّ : قاتل اللَّه جميلا حيث يقول :
وبين الصّفا والمروتين ذكرتكم
بمختلف ما بين ساع وموجف
وعند طوافي قد ذكرتك ذكرة
هي الموت بل كادت على [ 3 ] الموت تضعف
فقالت الأخرى : بل قاتل اللَّه كثيّر عزّة حيث يقول :
طلعن علينا بين مروة والصّفا
يمرن [ 4 ] على البطحاء مور السحائب
فكدن لعمر اللَّه يحدثن فتنة
لمختشع من خشية اللَّه تائب
فقالت الأخرى : قاتل اللَّه ابن الزّانية نصيبا حيث يقول :
ألام على ليلى ولو أستطيعها
وحرمة ما بين البنيّة والسّتر
لملت على ليلى بنفسي ميلة
ولو كان في يوم التّحالق والنّحر
فقام نصيب إليهنّ فسلَّم عليهنّ ، فرددن عليه السّلام . فقال لهنّ : إنّي رأيتكنّ تتحادثن شيئا عندي منه علم .
فقلن : ومن أنت ؟ فقال : اسمعن أوّلا . فقلن : هات . فأنشدهنّ قصيدته التي أوّلها :
ويوم ذي سلَّم شاقتك نائحة
ورقاء في فنن والريح تضطرب
فقلن له : نسألك باللَّه وبحقّ هذه البنيّة ، من أنت ؟ فقال : أنا ابن المظلومة المقذوفة بغير جرم « نصيب » .
فقمن إليه فسلَّمن عليه ورحّبن به ، واعتذرت إليه القائلة ، وقالت : واللَّه ما أردت سوءا ، وإنّما حملني الاستحسان لقولك على ما سمعت . فضحك وجلس إليهنّ ، فحادثهنّ إلى أن انصرفن .
هامش
[ 1 ] مسنات الهوى : انقطع منها الغرض ، فلا يرغب فيها أحد لكبرها .
[ 2 ] راث : أبطأ .
[ 3 ] كذا في ت ، ح ، ر . وفي سائر النسخ : « عن » وتضعف بمعنى تزيد إنما تتعدّى بعلي ، وفي الحديث : « تضعف صلاة الجماعة على صلاة الفذ خمسة وعشرين درجة » أي تزيد عليها . و « عن » هنا بمعنى « على » وفي الشعر إقواء .
[ 4 ] يمرن : يتمايلن جائيات ذاهبات .