وقد أتعب الحادي سراهنّ وانتحى
بهنّ فما يألو عجول مقلَّص [ 1 ]
يزدن بنا قربا فيزداد شوقنا
إذا زاد طول العهد والبعد ينقص
ويقول صاحبك ما شئت . فقال له نوفل : صاحبكم أشعر في الغزل ، وصاحبنا أكثر أفانين شعر . فقال سعيد : صدقت . فلما انقضى ما بينهما من ذكر الشعر ، جعل سعيد يستغفر اللَّه ويعقد [ 2 ] بيده حتى وفّى مائة .
فقال البكريّ في حديثه عن عبد الجبّار : قال مسلم : فلما انصرفنا قلت لنوفل : أتراه استغفر اللَّه من إنشاد الشعر / في مسجد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم ؟ فقال : كلا ! هو كثير الإنشاد والاستنشاد للشعر فيه ، ولكن أحسب ذلك للفخر بصاحبه .
المفاضلة بينه وبين جميل بن معمر العذري
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال قال أبو عبيدة حدّثنا عوانة بن الحكم وأبو يعقوب الثّقفيّ : أنّ الوليد بن يزيد بن عبد الملك قال لأصحابه ذات ليلة : أيّ بيت قالته العرب أغزل ؟ فقال بعضهم : قول جميل :
يموت الهوى منّي إذا ما لقيتها
ويحيا إذا فارقتها فيعود
وقال آخر : قول عمر بن أبي ربيعة :
كأنّني حين أمسي لا تكلَّمني
ذو بغية يبتغي ما ليس موجودا
فقال الوليد : حسبك واللَّه بهذا ! أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكَّار قال حدّثني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الحميد [ 3 ] عن شيخ من أهله عن أبي الحارث مولى هشام / بن الوليد بن المغيرة - قال : وهو الذي يقول فيه عمر بن أبي ربيعة :
يا أبا الحارث قلبي طائر
فأتمر أمر رشيد مؤتمن [ 4 ] -
قال : شهدت عمر بن أبي ربيعة ، وجميل بن عبد اللَّه بن معمر العذريّ ، وقد اجتمعا بالأبطح ، فأنشد جميل قصيدته التي يقول فيها :
لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي
بثينة أو أبدت لنا جانب البخل
يقولون مهلا يا جميل وإنّني
لأقسم مالي عن بثينة من مهل
/ حتى أتى على آخرها ، ثم قال لعمر : يا أبا الخطَّاب ، هل قلت في هذا الرّويّ شيئا ؟ قال نعم .
هامش
[ 1 ] مقلص : مشمّر جادّ في السير .
[ 2 ] يعقد : يحسب ؛ يقال : عقد الحاسب يعقد عقدا أي حسب .
[ 3 ] في ت : « محمد بن إسماعيل بن عبد الحميد » . وفي ر : « محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد اللَّه بن عبد الحميد » .
[ 4 ] كذا في ت . وفي سائر النسخ : « مؤتمر » بالراء وهو تحريف ؛ إذ أن هذه القصيدة نونيّة مطلعها في « ديوانه » :من رسوم باليات ودمن
عاد لي همّي وعاودت ددنوفي هذا الجزء ص 157 :أمن الرسم وأطلال الدمن
عاد لي وجدي وعاودت الحزن