وإنّما أين الرجال العارفون به ، المحاسبون لاصوله ومذاهبه ، وإلّا فهو علم لا شكّ فيه ، ولا ريب ينافيه .
عودا إلى صاحب الترجمة ، وذكر ملح من أخباره ، ولمع من محاسنه وآثاره :
فلقد كان كما قال بديع الزمان « 1 » : كعبة المحتاج ، لا كعبة الحاج ، ومشعر الكرم ، لا مشعر الحرم ، ومنى الضيف ، لا منى الخيف ، وقبلة الصلاة ، لا قبلة الصلاة ، خدمه أرباب الأدب ، وتناسل إليه الشعراء من كلّ حدب .
فمن جملة من نضّد فيه عقود شعره ، واستنشق من رياض نعمه روائح زهره ، القاضي عبد الجواد المنوفي « 2 » ، فقال مادحا له ، ومهنّئا بالظفر بأهل غمد ، وهي من غرر القصائد الطنّانة :
العزّ تحت ظلال السمر والقضب * يوم الوغى ومساعي البيض لم تخب
والعزم ما خضعت غلب « 3 » الرقاب له * صغرا وصارت به الأفكار في تعب
والحزم ما دان صعبا عزّ مدركه * وما بنى شرفا يبقى مدى الحقب
ما عزّ غير فتى عضب يقوم إذا * نام العدى ويقدّ العصب أن يثب
ولا اجتنى العزّ من أفنان مثمرة * بالهام في ماقط من جحفل لجب
إلّا امرئ همّه كسب العلا وله * سعي يقصّر عنه كلّ ذي حسب
قد طلقت للوغى أجفانه وسنا * وسن حدا وجاز الحدّ في الطلب
هامش
( 1 ) لعلّ مراده به هو العلّامة محمّد بن أحمد عقيلة صاحب كتاب لسان الزمان ، كما عبّر عنه بهذا اللقب في موضع آخر ، واللّه العالم .
( 2 ) له ترجمة مبسوطة في كتاب سلافة العصر ص 125 - 133 فراجع .
( 3 ) في السلافة : صعب .