بل كيف تقبل العقول أن يقول من البرّ ما لا يفعل ، ولا يساوي سائر الأنبياء عليهم السلام في امتثال هذا البرّ ، فإنّا ما سمعنا أنّ أحداً منهم مات بغير وصية ، بل كلّ واحد منهم عيّن من يقوم بعده مقامه .
فكيف وصفوا سيّد الأنبياء وخاتمهم بتركها ؟ وقد شهد بوجوبها كافّة الأنبياء وعقول العقلاء ، مع أنّ اللَّه تعالى قد أمره بالاقتداء بهداهم ، بقوله عزّوجلّ
« فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ »
« 1 » واعترافهم بأنّ موته ما وقع فجأة ، بل عن مرض تقدّمه ، وعلمهم بأنّه أحوج إليها منهم ؛ لأنّه خاتمهم ، والمؤتمن على كتبهم ، والناسخ لشرائعهم .
فقد كان الواجب عليهم أن يتلقّوا الأحاديث المتضمّنة أنّه أوصى بهم ، وعيّن لهم من يقوم بعده مقامه ، بالقبول ، ويفرحوا بها ؛ لموافقتها للعقول السليمة والأديان المستقيمة .
وقد روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس والخمسين من إفراد مسلم ، عن عبداللَّه بن عمر ، قال أمر النبي صلى الله عليه وآله في غزاة مؤتة زيد بن حارثة ، وقال : إن قتل زيد فجعفر ، وإن قتل جعفر فعبداللَّه بن رواحة « 2 » .
وذلك لئلّا يقع الاختلاف بينهم ، وينتشر أمرهم في غزاة واحدة ، فكيف يجوز
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : 90 .
( 2 ) رواه البخاري في صحيحه ، باسناده عن عبداللَّه بن عمر ، قال : أمّر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في غزوة موتة زيد بن حارثة ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : إن قتل زيد فجعفر ، وإن قتل جعفر فعبداللَّه بن رواحة ، قال عبداللَّه : كنت فيهم في تلك الغزوة ، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب ، فوجدناه في القتلى ، ووجدنا ما في جسده بضعاً وتسعين من طعنة ورمية . صحيح البخاري 5 : 87 ، باب غزوة مؤتة من أرض الشام ، الطرائف ص 382 .