وخرج منها صحبه نافع مولى عثمان بن عفّان ، فخدمه وألطفه حتّى أعجبه شأنه ، فقال :
ممّن أنت ؟ قال : من أهل المدينة ، قال : من أيّهم ؟ قال : مولى عمر بن الخطّاب ، قال : وأين تريد ؟ قال : مصر ، قال : وما حاجتك بها ؟ قال : أريد أن أشبع من الخبز ، فإنّا لا نشبع بالمدينة ، فرقّ له الأشتر وقال له : ألزمني ، فإنّي سأصيبك بخبز ، فلزمه حتّى بلغ القلزم ، وهو من مصر على ليلة ، فنزل على امرأة من جهينة ، فقالت : أيّ الطعام أعجب بالعراق فأعالجه لكم ؟ قال : الحيتان الطرية ، فعالجتها له ، فأكل ، وقد كان ظلّ صائماً في يوم حارّ ، فأكثر من شرب الماء ، فجعل لا يروي ، فأكثر منه حتّى نغر ، يعني انتفخ بطنه من كثرة شربه .
فقال له نافع : إنّ هذا الطعام الذي أكلت لا يقتل سمّه إلا العسل ، فدعا به من ثقله ، فلم يوجد ، فقال له نافع : هو عندي فآتيك به ، قال : نعم فأتني به ، فأتى رحله فحاضر شربة من عسل بسمّ قد كان معه أعدّه له ، فأتاه بها فشربها ، فأخذه الموت من ساعته ، وانسلّ نافع في ظلمة الليل ، فأمر به الأشتر أن يطلب ، فطلب فلم يصب .
قال عبداللّه بن جعفر : وكان لمعاوية بمصر عين يقال له : مسعود بن جرجة ، فكتب إلى معاوية بهلاك الأشتر ، فقام معاوية خطيباً في أصحابه ، فقال : إنّ علياً كان له يمينان ، قطعت إحداهما بصفّين يعني عمّاراً ، والأخرى اليوم ، إنّ الأشتر مرّ بأيلة متوجّهاً إلى مصر ، فصحبه نافع مولى عثمان ، فخدمه وألطفه حتّى أعجبه ، واطمأنّ إليه ، فلمّا نزل القلزم حاضر له شربة من عسل بسمّ فسقاها له فمات ، ألا وإنّ للّه جنوداً من عسل « 1 » .
600 - الاختصاص : حدّثنا أحمد بن علي ، قال : حدّثنا أبو القاسم حمزة بن القاسم العلوي ، عن بكر بن عبداللّه بن حبيب ، عن سمرة بن علي ، قال : حدّثني المنهال بن جبير الحميري ، قال : حدّثنا عوانة ، قال : لمّا جاء هلاك الأشتر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام صعد المنبر فخطب الناس ، ثمّ قال : ألا إنّ مالك بن الحارث قد مضى نحبه ، وأوفى بعهده ، ولقي ربّه ، فرحم اللّه مالكاً ، لو كان جبلًا لكان فذّاً ، ولو كان حجراً لكان صلداً ، للّه مالك وما مالك ، وهل قامت النساء عن مثل مالك ، وهل موجود كمالك ، قال : فلمّا نزل ودخل القصر أقبل عليه رجال من قريش ، فقالوا : لشدّ ما جزعت عليه ولقد هلك ، قال : أما واللّه هلاكه فقد أعزّ أهل المغرب وأذلّ أهل المشرق ، قال : وبكى عليه أيّاماً ، وحزن عليه حزناً شديداً ،
هامش
( 1 ) الاختصاص ص 79 - 81 ، بحار الأنوار 33 : 589 - 591 ح 734 .