تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأربعين في إمامة الأئمة الطاهرين ( ع ) — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
وممّا يرفع أيضا التعجّب في اتّفاق أكثر الصحابة على مخالفة النبيّ صلّى اللّه عليه واله وتخلّفهم عن أمير المؤمنين عليه السّلام انّا نلاحظ حال أهل زماننا ، فنراهم غافلين جاهلين ، مائلين إلى الدنيا وإلى أهلها ، راغبين عن الآخرة وأهلها الّا قليلا نادرا ، فنعلم أنّ حال أهل كلّ زمان كحال أهل زماننا « 1 » ، فلا نتعجّب حينئذ في ترك أكثر أهل زمن النبيّ صلّى اللّه عليه واله بيعة علي سيّد العقلاء والزهّاد الذي طلّق الدنيا ثلاثا ، وكان يزهّدهم في الدنيا ، ويرغّبهم إلى الآخرة ، ويلومهم في حبّ حبيبتهم الغدّارة ، ويأمرهم أن يقنعوا بالقليل ، وأن لا يطلبوا فوق الكفاف ، ويحثّهم على ترك العادات والشهوات ، ويحذرهم عن التلهّي والفاكهات ؛ إذ لا مشابهة بينه عليه السّلام وبين هؤلاء من أرباب الجهالات ، بل كانوا أشباه أبي بكر وأمثاله ، فبايعوه وانقادوا له . وأمّا القليلون الذين كانوا أشباه علي أمير المؤمنين عليه السّلام ، كسلمان وأبي ذرّ ومقداد وعمّار ، وصلحاء بني هاشم ، فبايعوه وأطاعوه ، وداروا معه حيث دار ، وكانوا مظلومين مغضوبين مقهورين مخذولين ، ولكن لم يضرّهم خذلان الخاذلين ، وكيف يضرّهم ؟ وقد قال النبيّ صلّى اللّه عليه واله : لا تزال طائفة من امّتي ظاهرين على الحقّ ، لا يضرّهم من خذلهم ، أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي « 2 » . ونعم ما قال الخليل بن أحمد النحوي ، حين سأله أبو زيد النحوي الأنصاري ، قال : سألت الخليل بن أحمد ، فقلت : لم هجر الناس عليّا عليه السّلام وقرباه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله قرباه ، وموضعه من المسلمين موضعه ، وعناه في الاسلام عناه ؟ فقال : بهر واللّه نوره أنوارهم ، وغلبهم على صفو كلّ منهل ، والناس إلى أشكالهم أميل ، أما سمعت الأوّل حيث يقول :
وكلّ شكل بشكله ألف * أما ترى الفيل يألف الفيلا
هامش
( 1 ) في « ق » : حال أهل كلّ زماننا كذلك . ( 2 ) صحيح مسلم 3 : 1523 برقم : 1920 .