وَمِنْ أَيْنَ كَانَ مَعَكِ مُحَمَّدٌ ؟ لَعَلَّكِ تَحْلُمِينَ أَوْ مِنْكِ هَذَيَانٌ ! قُلْتُ : لَاوَ اللَّهِ مَا حَلَمْتُ ، وَإِنِّي لَفِي يَقِينٍ مِنْ أَمْرِي . فَجَعَلْتُ أَبْكِي وَأُنَادِي : وَا مُحَمَّدَاهْ ! فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذَا أَنَا بِشَيْخٍ كَبِيرٍ فَقَالَ لِي : أَيَّتُهَا السَّعْدِيَّةُ ، إِنَّ لَكِ لَقِصَّةً عَجِيبَةً . قَالَتْ : قُلْتُ : إِي وَاللَّهِ ، لَقِصَّتِي عَجِيبَةٌ ! مُحَمَّدُ بْنُ آمِنَةَ أَرْضَعْتُهُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ لَاأُفَارِقُهُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ فَنَعَشَنِيَ اللَّهُ بِهِ ، وَأَنْضَرَ وَجْهِي ، وَمَنَّ عَلَيَّ ، وَأَفْضَلَ بِبَرَكَتِهِ ، حَتَّى إِذَا ظَنَنْتُ أَنِّي قَدْ بَلَغْتُ بِهِ الْغَايَةَ أَدَّيْتُ إِلَى أُمِّهِ الأْمَانَةَ ، لأِخْرُجَ مِنْ عَهْدِي وَأَمَانَتِي ، فَاخْتُلِسَ مِنِّي اخْتِلَاساً قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ قَدَمُهُ الأْرْضَ ، وَإِنِّي أَحْلِفُ بِإِلَهِ إِبْرَاهِيمَ لَئِنْ لَمْ أَجِدْهُ لأَرْمِيَنَّ بِنَفْسِي مِنْ حَالِقِ الْجَبَلِ !
قَالَتْ : وَقَالَ لِيَ الشَّيْخُ : لَاتَبْكِي أَيَّتُهَا السَّعْدِيَّةُ ، ادْخُلِي عَلَى هُبَلَ فَتَضَرَّعِي إِلَيْهِ فَلَعَلَّهُ يَرُدُّهُ عَلَيْكِ ؛ فَإِنَّهُ الْقَوِيُّ عَلَى ذَلِكِ الْعَالِمُ بِأَمْرِهِ . قَالَتْ : فَقُلْتُ لَهُ : أَيُّهَا الشَّيْخُ ، كَأَنَّكَ لَمْ تَشْهَدْ وِلَادَةَ مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ وُلِدَ مَا نَزَلَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى ؟ ! فَقَالَ لِي : أَيَّتُهَا السَّعْدِيَّةُ ، إِنِّي أَرَاكِ جَزِعَةً ، فَأَنَا أَدْخُلُ عَلَى هُبَلَ وَأَذْكُرُ أَمْرَكِ لَهُ ؛ فَقَدْ قُطِعَتْ أَكْبَادُنَا بِبُكَائِكِ ! مَا لأِحَدٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى هَذَا صَبْرٌ . قَالَتْ : فَقَعَدْتُ مَكَانِي مُتَحَيِّرَةً ، وَدَخَلَ الشَّيْخُ عَلَى هُبَلَ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ بِالدُّمُوعِ ، فَسَجَدَ لَهُ طَوِيلًا وَطَافَ بِهِ أُسْبُوعاً ، ثُمَّ نَادَى : يَا عَظِيمَ الْمَنِّ ، يَا قَوِيّاً فِي الأْمُورِ ، إِنَّ مِنَّتَكَ عَلَى قُرَيْشٍ لَكَثِيرَةٌ ، وَهَذِهِ السَّعْدِيَّةُ رَضِيعَةُ مُحَمَّدٍ تَبْكِي ، قَدْ قَطَعَ بُكَاؤُهَا الأْنْيَاطَ وَأَبْرَزَ الْعَذَارَى ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَرُدَّهُ عَلَيْهَا إِنْ شِئْتَ . قَالَتْ : فَارْتَجَّ وَاللَّهِ الصَّنَمُ ، وَتَنَكَّسَ وَمَشَى عَلَى رَأْسِهِ ، وَسَمِعْتُ مِنْهُ صَوْتاً يَقُولُ : أَيُّهَا الشَّيْخُ أَنْتَ فِي غُرُورٍ ، مَا لِي وَلِمُحَمَّدٍ ! وَإِنَّمَا يَكُونُ هَلَاكُنَا عَلَى يَدَيْهِ ، وَإِنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَهُ وَيَحْفَظُهُ . أَبْلِغْ عَبْدَةَ الأْوْثَانِ أَنَّ مَعَهُ الذَّبْحَ الأْكْبَرَ إِلَّا أَنْ يَدْخُلُوا فِي دِينِهِ .
قَالَتْ : فَخَرَجَ الشَّيْخُ فَزِعاً مَرْعُوباً نَسْمَعُ لِسِنِّهِ قَعْقَعَةً وَلِرُكْبَتَيْهِ اصْطِكَاكاً ، يَقُولُ لِي : يَا حَلِيمَةُ ، مَا رَأَيْتُ مِنْ هُبَلَ مِثْلَ هَذَا ، فَاطْلُبِي ابْنَكِ ؛ إِنِّي أَرَى لِهَذَا الْغُلَامِ شَأْناً عَظِيماً . قَالَتْ :
فَقُلْتُ لِنَفْسِي : كَمْ تَكْتُمُ مِنْ أَمْرِهِ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ ؟ ! أُبْلِغُهُ الْخَبَرَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ مِنْ غَيْرِي .
قَالَتْ : فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ قَالَ لِي : يَا حَلِيمَةُ ، مَا لِي أَرَاكِ جَزِعَةً
ميراث حديث شيعه — صفحة 121
مساهمون: مهدى مهريزى
ص١٢١