فَشَيَّعَتْنِي أُمُّهُ سَاعَةً ، وَأَوْصَتْنِي فِيهِ بِوَصَايَا ، وَرَجَعَتْ كَالْبَاكِيَةِ قَالَتْ : وَلَيْسَ كُلُّ الَّذِي رَأَيْتُ فِي طَرِيقِي أُحْسِنُ وَصْفَهُ ، إِلَّا أَنِّي لَمْ أَنْزِلْ مَنْزِلًا إِلَّا أَنْبَتَ اللَّهُ عز وجل فِيهِ عُشْباً وَخَيْراً كَثِيراً وَأَشْجَاراً قَدْ حَمَلَتْ مِنْ أَنْوَاعِ الثَّمَرِ ، حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ مَنْزِلَ بَنِي سَعْدٍ ، وَمَا نَعْلَمُ - وَاللَّهِ - أَنَّ أَرْضاً كَانَتْ أَجْدَبَ مِنْهَا وَلَاأَقَلَّ خَيْراً ، وَكَانَتْ لَنَا غُنَيْمَاتٌ دَبِرَاتٌ مَهْزُولَاتٌ ، فَلَمَّا صَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله فِي مَنْزِلِي صَارَتْ غَنَمِي تَرُوحُ شِبَاعاً حَافِلَةً . تَحْمِلُ وَتَضَعُ وَتَدِرُّ وَتُحْلَبُ ، وَلَاتَدِرُّ فِي بَنِي سَعْدٍ لأِحَدٍ مِنَ النَّاسِ غَيْرِي ، فَجَمَعَتْ بَنُو سَعْدٍ رُعَاتَهَا وَقَالُوا لَهُمْ : مَا بَالُ أَغْنَامِ حَلِيمَةَ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ تَحْمِلُ وَتَضَعُ وَتَدِرُّ وَتُحْلَبُ ، وَأَغْنَامُنَا لَا تَحْمِلُ وَلَاتَضَعُ وَلَاتَأْتِي بِخَيْرٍ ؟ اسْرَحُوا حَيْثُ تَسْرَحُ رُعَاةُ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ حَتَّى تَرُوحَ غَنَمُكُمْ شِبَاعاً حَافِلَةً .
قَالَتْ : فَلَمْ نَزَلْ نَتَعَرَّفُ مِنَ اللَّهِ الزِّيَادَةَ وَالْبَرَكَةَ وَالْفَضْلَ وَالْخَيْرَ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله ، حَتَّى كُنَّا نَتَفَضَّلُ عَلَى قَوْمِنَا ، وَصَارُوا يَعِيشُونَ فِي أَكْنَافِنَا ، فَكُنْتُ أَرَى مِنْ يَوْمِهِ عَجَباً مَا رَأَيْتُ لَهُ بَوْلًا قَطُّ ، وَلَاغَسَلْتُ لَهُ وُضُوءاً قَطُّ طَهَارَةً وَنَظَافَةً ؛ وَذَلِكَ أَنِّي كُنْتُ أَسْبِقُ إِلَى ذَلِكَ ، وَكَانَ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَقْتٌ وَاحِدٌ يَتَوَضَّأُ فِيهِ وَلَايَعُودُ إِلَى وَقْتِهِ مِنَ الْغَدِ ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُرَى جَسَدُهُ مَكْشُوفاً ، فَكُنْتُ إِذَا كَشَفْتُ عَنْ جَسَدِهِ يَصِيحُ حَتَّى أَسْتُرَ عَلَيْهِ ، فَانْتَبَهْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي ، فَسَمِعْتُهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ لَمْ أَسْمَعْ كَلَاماً قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ يَقُولُ : لَاإِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، قُدُّوساً قُدُّوساً ، وَقَدْ نَامَتِ الْعُيُونُ ، وَالرَّحْمَنُ لاتَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلانَوْمٌ . وَهُوَ عِنْدَ أَوَّلِ مَا تَكَلَّمَ ، فَكُنْتُ أَتَعَجَّبُ مِنْ ذَلِكَ ، وَكَانَ يَشِبُّ شَبَاباً لَايُشْبِهُ الْغِلْمَانَ وَلَمْ يَبْكِ قَطُّ ، وَلَمْ يُسِئْ خُلُقَهُ ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ بِيَسَارِهِ ، وَكَانَ يَتَنَاوَلُ بِيَمِينِهِ ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمَنْطِقَ لَمْ يَمَسَّ شَيْئاً إِلَّا قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ . فَكُنْتُ مَعَهُ فِي كُلِّ دَعَةٍ وَعَيْشٍ وَسُرُورٍ ، وَكُنْتُ قَدِ اجْتَنَبْتُ الزَّوْجَ لَا أَغْتَسِلُ مِنْهُ هَيْبَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله ، حَتَّى تَمَّتْ لَهُ سَنَتَانِ كَامِلَتَانِ ، وَقَدْ ثَمَّرَ اللَّهُ لَنَا الأْمْوَالَ وَأَكْثَرَ لَنَا مِنَ الْخَيْرِ ، فَكَانَتْ تَحْمِلُ لَنَا الأْغْنَامُ وَتَنْبُتُ لَنَا الأْرْضُ ، وَقَدْ أَلْقَى اللَّهُ مَحَبَّتَهُ عَلَى كُلِّ مَنْ رَآهُ .
ميراث حديث شيعه — صفحة 118
مساهمون: مهدى مهريزى
ص١١٨